أنشأ ذلك في نفس أحمد بن حنبل برًا لأمه، فلم يتزوج حتى ماتت، لكي لا يُدخل على الدار سيدة أخرى تنازع أمه السيادة، وكان قد بلغ الثلاثين من عمره.
بدأ الإمام رحلته إلى طلب العلم ونوى أن يرحل إلى الكوفة ولم يكن قد استأذن والدته فرجع إلى أمه ليستأذنها في الرحلة فبارك الله له في طلبه.
يقول الإمام أحمد: ثقبت أمي أذني وصيرت فيهما لؤلؤتين، فلما ترعرعت نزعتهما، فكانتا عندها، ثم دفعتهما إليّ فبعتهما بنحو ثلاثين درهمًا
بلغ الأمام من العلم كل مبلغ، وتنقل بين الحجاز واليمن ودمشق، ونال القسط الأوفر من العلم، يقول عنه شيخه الشافعي"ما خلفت ببغداد رجلًا أفضل ولا أعلم ولا افقه من احمد بن حنبل"
كان في مذهبه محافظًا على النصوص واشتهر بابتعاده عن الرأي، تمسك بالنص القرآني ثم بالبينة ثم بإجماع الصحابة، ولم يقبل بالقياس إلا في حالات نادرة، لم ينصب نفسه للفتوى إلا بعد أن بلغ الأربعين، يشترط الصحة في الأحاديث التي تتعلق بالأحكام أو العقيدة، ولابأس في فضائل الأعمال أن تذكر الأحاديث الضعيفة إذا كان لها ما يؤيدها من الأحاديث الصحيحة، كان يحذف الأضعف من الأحاديث التي لا يمكن الجمع بينها.
شيخًا وقورًا كثير التواضع يحب الفقراء، أكرم الناس نفسًا وأشدهم حياءً، يقبل الهدية ويعجل في إعطاء من أهداه هدية مثلها أو خيرًا منها، لا يلقى الناس إلا متبسمًا، ويقدمهم إذا مشوا في الطريق أو إذا اصطفوا للصلاة جماعة، أكثر الناس شبهًا بالصحابة في طبعه وسلوكه وعقيدته وحياته العامة، تعلم من شيخه الإمام عبد الله بن المبارك حقيقة الزهد، وأخذ منه سلوكه وحديثه، كثير الإطراق والغض، معرضًا عن كل قبيح وعن اللغو، لا يسمع منه إلا المذاكرة بالحديث وذكر الصالحين والزهاد، يوقره شيوخه ويتركون المزاح في حضوره، لا يخوض في شيء مما يخوضه الناس من أمر الدنيا، ولم يهاب أحد مثله قط، لم ير أحدًا أنظف ثوبًا ولا أشد تعاهدًا لنفسه في شاربه وشعر رأسه، وشعر بدنه، ولا أنقى ثوبًا وأشد بياضا منه، يأتي العرس والختان والإملاك يجيب ويأكل.
تعرض للجلد والضرب وللفتنة، ورفض القول بخلق القرآن ولو كلفه ذلك حياته، كان يدعو للمعتصم بالرحمة وان يعفو الله عنه.
يصلي في اليوم والليلة قبل ضربه بـ 300 ركعة وبعد مرضه بـ 150 ركعة، أصبر الناس على الوحدة، لم يره أحد إلا في مسجد أو جنازة أو عيادة مريض، وكان يكره المشي في الأسواق،