دخلت صفية في الإسلام هي وابنها وانضمت إلى ركب المؤمنين، وعانت ما عاناه المسلمون، وتحملت الشدائد والمضايقات والتنكيل والمعارضات والعزلة والمقاطعة، ثم أعلنت هجرتها إلى الله ورسوله يرافقها البطل، وخلفت مكة وراء ظهرها بكل ما فيها من طيوب الذكريات ويمّمت نحو المدينة فارة بدينها.
من يقرأ عن صفية ويتأمل سيرتها، يجدها امرأة قوية باسلة، توازي الآلاف من الجنس المغاير لها، ويرى لها من الشجاعة في السلم والحرب الكثير حتى أنها لم تجعل لولدها خيارًا سوى أن يرث ذلك عنها طوعًا أو كرها.
في غزوة أحد، تنقل الماء وتبري السهام وتروي العطاش، وتصلح القسي، وتفاجأ بمقتل البطل الذي شابهها في خصال القوة والشجاعة والدفاع عن المبدأ الذي عاش يكافح من أجل رفعته ومات كذلك.
كأنثى الأسد هي، تهجم هجومًا شرسًا ضاريًا، دون أن تنسى شبلها في العرين، بل تقذف به أمامها ليتعلم على مرأى منها فنًا من الفنون التي حازتها.
ينظر إليها وهي تأخذ الرمح وتشق به الصفوف، وتثقب حين ترميه الوجوه، وتبريه بريًا ليصيب الهدف بدقة، وتزأر قائلة (ويحكم انهزمتم عن رسول الله ... )
حينها يخشى عليها نبيها، ويأمر الشبل أن يبعدها عن موطن جثة الأسد المقتولة ظلمًا، المبقورة بطنًا، الملوكة كبدًا، الممزقة أشلاءً (أسد الله ورسوله) ، لكنها تثبت كعادتها وتزأر أخرى قائلة: (مُثّل بأسد الله، لاضير إذًا)
وفي الخندق يوم جهادٍ آخر وبطولة أخرى
غارت بطولتها وتيقظ ذكاؤها، واشتعلت في داخلها نخوة الإسلام، فأبصرت شبحًا يهوديًا، يقبل على الحصن الذي يضم النساء والأطفال في المدينة، فأحدّت إليه بصرها، وأرهفت له السمع وجعل يطوف بالحصن متجسسًا على من فيه، فشعرت بالخطر يحدق بها وبغيرها، وأدركت أن الشر قد ترك أرض المعركة واستقبلهم، فلفت خمارها على رأسها وعمدت إلى ثيابها فشدتها، وأخذت عمود النصر على عاتقها، ونزلت إلى باب الحصن تترقب في يقظة، علّها ترى ذلك الشبح وتلقنه درسًا لا ينساه في بطولة النساء.
فاستبشرت لمّا رأته، وحملت عليه حملة حازمة صارمة وضربته بالعمود على رأسه، فطرحته أرضًا ثم تفننت في نهايته والإجهاز عليه.