شدّت على يديها وساعديها وانهالت عليه بالضربات الواحدة تلو الأخرى حتى أزهقت روحه، ثم بادرت بالسكين واجتزّت الرأس، وقذفت به من أعلى الحصن وجعل يتدحرج حتى ارتمى أرضًا على مرأى من اليهود، الذين فتك بهم الرعب وأيقنوا حينها أن في الحصن رجالًا حماة، فغادروا المكان، وسلّم الله يدًا من أيدي الرجال الحماة وإن كانت يد امراة.
هم أهل البطولة ولاغرو، أبناء عبد المطلب وأحفاده
كان الزبير قد نشأ في هذه البيئة، وتعلم منها قصص التضحية ومعانيها، ووعى كلمة أمه التي تعيدها في أذنه، واختار رؤيته كما اختارتها له سلفًا .... (فارسا)
فكان البذرة التي تعاهدتها بنفسها وسقتها، وكان الإعصار الذي يلتهم الإشاعات، يسلّ سيفه، ويجوب شوارع مكة باحثًا عن مصدر الخبر الذي أشاع أن حبيبه قد مات.
فوجد الحبيب أعلى مكة، وسأله: ماذا بك؟، فأخبره الزبير الخبر، فصلى عليه الرسول ودعا له ولسيفه.
تعرض الزبير للاضطهاد وعذب ونكل به، وتولى عمه تعذيبه، هاجر الهجرتين وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ?، لا تفتقده غزوة من الغزوات، ولا معركة نضال، فقد كان اسمه في مقدمة الحاضرين.
امتلأ جسده بالطعنات، وبقيت آثارها فيه تضيء كالأوسمة تحكي للرائي مجده التليد، يقول عنه أحد أصحابه (صحبت الزبير في بعض أسفاره، ورأيت جسدًا مجدّعًا بالسيوف، وإن في صدره لأمثال العيون الغائرة من الطعن والرمي، فقلت له: والله لقد شهدت بجسمك ما لم أره بأحد قط، فقال لي: أما والله ما منها جراحة إلا مع رسول الله وفي سبيل الله)
ويوم اليرموك كان الزبير جيشًا وحده، رأى المقاتلين يتراجعون القهقري، فصاح (الله أكبر) ، واخترق الجبال الزاحفة في الروم وحده ضاربًا بسيفه وهو يتوهج لا يكبو ولا يخبو.
كان شديد الولع بالشهادة فسمّى أبناءه بأسماء الشهداء (علّهم يستشهدون) ، وما ولي إمارة قط، ولا خراجًا ولا جباية، ولا شيئًا إلا الغزو في سبيل الله، كان رفيع الخصال، عظيم الشمائل وشجاعته وسخاؤه كفرسي رهان، يدير تجارة ناجحة، وكان ثراؤه عريضًا، لكنه أنفقه في الإسلام حتى مات مدينًا.
كان توكله على الله منطلق جوده، حتى وهو يجود بنفسه، أوصى ولده عبد الله بقضاء ديونه، فقال له: (إذا أعجزك دين فاستعن بمولاي، فسأله عبد الله: أي مولى تعني؟ فأجابه: الله، نعم