فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 53

و عن رَبَاحِ بْنِ رَبِيعٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي غَزْوَةٍ فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ فَبَعَثَ رَجُلًا، فَقَالَ: «انْظُرْ عَلَامَ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ؟» فَجَاءَ فَقَالَ: عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ. فَقَالَ: «مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ» قَالَ: وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَبَعَثَ رَجُلًا. فَقَالَ: «قُلْ لِخَالِدٍ لَا يَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلَا عَسِيفًا» [1] فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- العلة في النهي عن قتل المرأة كونها لا تقاتل أي ليس من أهل القتال و الحرب.

و هذه الأحاديث تفيد النهي عن قتل كل من لم يقاتل المسلمون أو أعان على قتل المسلمين و أمن المسلمون من ناحيته من امرأة أو أجير أو صبي أو نحو ذلك، وأما من قاتل أو دعم المقاتلين برأي أو غير ذلك فيقتل كدريد بن الصمة وكان شيخًا كبيرًا إلا أنه كان له رأي يفيد به المشركين و قتلت القرظية؛ لأنها قتلت رجلا.

وفي هذا رد على من يقول أن الإسلام أجبر الناس على الدخول فيه إذ لو كان الجهاد لإجبار الكفار على الدخول في الإسلام لما أمر الشرع بالكف عن قتل النساء والصبيان و نحو ذلك.

و الكف عن قتال النساء والصبيان و نحو ذلك يدل أن الإسلام لا يتوسع في إزهاق الأرواح بل يحترم النفس البشرية ويصونها و لا يستبيح إزهاقها إلا بقدر ما يحتاج إليه في صلاح الخلق، و جيوش المسلمين ما انطلقت إلا لصالح الناس و إنقاذهم من الكفر فالإنسان جوهر شريف فمتى أمكن إزالة صفاته الرذيلة مع إبقاء ذاته الشريفة كان أولى من إفناء ذاته، ألا ترى أن جلد الميتة لما كان منتفعا به من بعض الوجوه حث الشرع على إبقائه.

و الكف عن قتال النساء والصبيان و نحو ذلك يدل أن الجهاد في سبيل الله ليس المقصود فيه إبادة و استئصال الكفار فالحرب في الإسلام ليست ثأرية أو انتقامية تهدف إلى إفناء الخصم عن بكرة أبيه بل ضيق الشرع القتال فاقتصر على قتال المعاندين المقاتلين من الكفار لردعهم عن كفرهم و عنادهم و حربهم للإسلام و لتأمين المعتنقين للإسلام، و لإعطاء الفرصة لمن لم يستطع الدخول في الإسلام أن يدخل و من أعطي فكرة خاطئة عن الإسلام أن يصححها، و الإسلام جاء ليبنى الحياة ويعمرها، لا ليدمرها ويهدمها.

و قد استثنى الشرع من الكفار المقاتلين أهل الكتاب و المجوس إذا أعطوا الجزية فقال تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِاليَومِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ

(1) - سنن أبي داود 3/ 53 حديث رقم 2669 قال الألباني: حسن صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت