و معنى قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، وَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) أي إلى أن يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله عن علم و يقين، و لذلك عبر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بـ (حَتَّى يَشْهَدُوا) و لم يعبر بـ (حتى يقولوا) ؛ لأن الشهادة تتضمن أشياء:
الأول: الاعتقاد بما سينطق به، والاعتقاد بما شهده فكونه يشهد أن لا إله إلا الله يستلزم أنه اعتقد بقلبه معنى هذه الكلمة من علم ويقين؛ لأن الشهادة فيها الاعتقاد، والاعتقاد لا يسمى اعتقادا إلا إذا كان ثمَّ علم ويقين.
الثاني: التكلم بها، فالشهادة كما أنها تقتضي اعتقادا؛ فإنها تقتضي - أيضا - إعلاما ونطقا.
والثالث: الإخبار بذلك، والإعلام به، فينطق بلسانه، وهذا من جهة الواجب وأيضا لا يسمى شاهدا حتى يُخبر غيره بما شهد، وهذا من جهة (الشهادة) .
فيكون معنى: أشهد أن لا إله إلا الله: أعتقد وأتكلم، وأعلم، وأخبر: بأن لا إله إلا الله. فافترقتْ بذلك عن حال الاعتقاد، وافترقتْ كذلك عن حال القول، كما افترقت - أيضا - عن حال الإخبار المجرد عن الاعتقاد، فلا بد لتحققها من حصول الثلاثة مجتمعة؛ و لهذا نقول في الإيمان إنه: اعتقاد بالجنان، و قول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان [1] .
و معنى شهادة أن لا إله إلا الله أن يقر الإنسان بلسانه و يعتقد بقلبه أن لا معبود بحق إلا الله فيقتضي ذلك عملا أن يعبده وحده و ألا يعبد غيره، و احتجنا إلى تقدير (حق) لنخرج المعبودات الباطلة إذ لو قلنا: لا معبود إلا الله لوقعنا في خطأ فاحش ألا وهو كل معبود هو الله سواء أكان بحق أو بباطل و هذا الكلام باطل شرعا و عقلا فالله هو المعبود بحق و ما سواه معبود بباطل، والله غير هذه المعبودات فهي مخلوقة و هو خالق.
ومن الناس من يعبد غير الله كالشمس والقمر والأصنام والملائكة والأنبياء، و كل هذه المعبودات عبدت من دون الله بلا حق فتقديرنا كلمة (حق) في قولنا: لا معبود بحق إلا الله ضروري لإخراج كل من عبد من دون الله بلا حق
(1) - التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص 73