والشهادة لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالرسالة تعني الإقرار المجمل بكل ما جاء به النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تصديقًا وانقيادًا، و يجب إتباع شريعته، والتزام سنته في السر والجهر، مع الرضا بما قضاه والتسليم له.
و الشهادة تتضمن الإخبار، والإخبار لا يكون إلا باللسان فلا بد من النطق بالشهادتين للقادر حتى يدخل في الإسلام، و حتى يعصم دمه و ماله، والنطق بالشهادتين مع عدم اعتقادها نفاق و إن كان يعصم الدم و المال؛ لأننا مأمورون بالأخذ بالظاهر، و قد يرجع المنافق للصواب مع الوقت و إخفاءه الكفر و إظهاره الإيمان خير من إظهار الكفر و تكثيره، و إن كان كلاهما سيء.
قال أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي: «وقد يقع الإسلام على من أتى بلفظ الشهادتين وإن لم يصدق بقلبه، ويستفيد بذلك عصمة دمه وماله في الدنيا لقوله - صلى الله عليه وسلم-: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» [1] .
و قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (حَتَّى يَشْهَدُوا) ولم يقل: (حتى يقروا) ؛ لأن الشهادة أخص و آكد من الإقرار قد يقر الإنسان بشيء لم يشهده، ومن هنا كان قول المسلم: أشهد أن لا إله إلا الله، كأنه يقر بأمر مشهود محسوس عنده بيقين، ولذلك العقائد لا يكفي فيها غلبة الظن كما هو في أمور العبادات والمعاملات، بل لا بد أن تكون على يقين وقطع جازم.
و قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (حَتَّى يَشْهَدُوا) ولم يقل: (حتى يعلموا) ؛ لأن الشهادة أخص من العلم؛ لأن علم الإنسان شيئا يسمعه ويشهد عليه أقوى من علمه شيئا يسمعه و لا يشهد عليه.
وكون بعض أحاديث: (أمرت أن أقاتل الناس) اشترطت الشهادة الأولى -لا إله إلا الله- و لم تذكر الشهادة الثانية - محمد رسول الله - فهذا من باب الاكتفاء بما يدل على المقصود أو الاكتفاء بما يدل عليه الكلام أو الاكتفاء بما يدل على المراد أو الاختصار من بعض الرواة؛ لأن شهادة أن لا إله إلا الله تستلزم شهادة أن محمد رسول الله، أو لأن المقصود في الحديث هنا: (أمرت أن أقاتل الناس) هم مشركو العرب، ولم يكونوا ليقروا بشهادة التوحيد إلا إذا شهدوا
(1) - الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار 3/ 752