قَالَ: كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: «كَذَبَ سَعْدٌ، وَلَكِنْ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الكَعْبَةَ، وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الكَعْبَةُ» [1] .
و فتح مكة قد فتح الطريق أمام انتشار دعوة الإسلام في شبه الجزيرة العربية فتوالت الوفود على المدينة منذ العام التاسع من الهجرة معلنة إسلامها بلا قتال، وعندما ذهب النبي- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأداء الحج في العام العاشر من الهجرة، وقد مضى على فتح مكة عامان و بضعة أشهر كان الإسلام قد انتشر في أرجاء شبه الجزيرة العربية.
و قد شهد التاريخ الإسلامي أمرًا عجيبا وهو دخول من غلب المسلمين - حين من الدهر- في دين الله أفواجًا كما حصل أيام الغزو التتري على بلاد المسلمين فقد أسلم كثير من التتار.
و الإسلام قد انتشر في بلاد لم يحدث فيها قتال بين المسلمين و الكافرين و لم يدخلها مجاهد مسلم شاهرا سيفه كدول أسيا و أفريقيا فمن دول أسيا الصين و إندونسيا و ماليزيا، و من دول أفريقيا الصومال وجيبوتي وتنزانيا وإرتيريا.
و قد انتشر الإسلام في هذه البلدان بأخلاق التجار المسلمين , فقد كانت تربط الجزيرة العربية بهذه البلدان تجارات كثيرة فرأى أهل هذه البلاد أن العرب قد تغيرت أخلاقهم من السوء إلى الحسن من الكذب للصدق من الخيانة للأمانة وحسن المعاملة, وإيثار بعضهم على بعض, فتعجبوا لما حدث لهؤلاء التجار, وتساءلوا عن سر تغيرهم, فعلموا أنه الإسلام, فدخلوا في دين الله أفواجًا.
و العقل يثبت فساد مقولة انتشار الإسلام بالسيف فلو كان المسلمون أجبروا غيرهم على الدخول في الإسلام و دخلوا الإسلام مكرهين فكيف يَثْبتوا عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ عَنْهمُ؟!! فثباتهم عن الإسلام رغم زوال الإكراه عنهم لدليل على أنهم دخلوه برضاهم لا مغصوبين.
و من المعلوم أن البلاد التي فتحها الإسلام رجع بعض هذه البلاد للكفار مرة أخرى، و مع ذلك من أسلم لم يرجع للكفر مرة أخرى بل حارب الكفار و كان في صفوف المسلمين، و هذا دليل على أنهم دخلوه برضاهم لا مغصوبين.
(1) - رواه البخاري في صحيحه 5/ 146 حديث رقم 4280 بَابٌ: أَيْنَ رَكَزَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّايَةَ يَوْمَ الفَتْحِ؟