فقد استفاد معاوية - رضي الله عنه - من هذا الدعاء من جانبين:
الأول: أن هذا الدعاء كان له زكاةً ورحمة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( اللهم من سببته، أو لعنته، أو جلدته، فاجعلها له رحمة ) ) [1] ، وفي رواية أخرى: (( اللهم إنما أنا بشر، فأيما رجل من المسلمين سببته، أو لعنته، أو جلدته، فاجعلها له زكاة ورحمة ) ) [2] .
الثاني: لقد انتفع معاوية - رضي الله عنه - بهذا الدعاء، فكان لا يشبع، وهذا مما يحسده عليه الملوك والأمراء.
قال الذهبي (رحمه الله) : وقد كان معاوية معدودًا من الأكلة [3] . وفسره بعض العلماء فقال: (( لا اشبع الله بطنه ) )حتى لا يكون ممن يجوع يوم القيامة، لأن الخبر عنه أنه قال: (( أطول الناس شبعًا في الدنيا أطولهم جوعًا يوم القيامة ) ) [4] .
4 -وعن سويد بن شعبة بإسناده إلى معاوية قال: ابتعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوضوء فلما توضأ نظر إلي فقال: (( يا معاوية إن وليت أمرًا فاتق الله وأعدل ) )، فما زلت أظن أني مبتلى بعمل لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ابتليت [5] . وفي رواية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: (( إن ملكت فاعدل ) ) [6] .
5 -روى ابن كثير أنه قال: وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور لهم ) )فقد سار معاوية - رضي الله عنه - سنة (60) للهجرة ومعه خلق كثير من كبراء الصحابة حتى حاصر القسطنطينية [7] .
قال ابن تيمية (رحمه الله) : (ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يغزون مع يزيد وغيره فإنه غزى القسطنطينية في حياة أبيه معاوية - رضي الله عنه - وكان معهم في الجيش أبو أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - وذلك الجيش أول
(1) (( أخرجه مسلم برقم(2600) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2) (( أخرجه مسلم(2601) من حديث أبي هريرة و (2602) من حديث جابر بن عبد الله.
(3) (( ينظر: سير أعلام النبلاء: 3/ 124.
(4) (( قال الذهبي في(السير) : 3/ 123 الحديث قوي بشواهده، أخرجه من حديث ابن عمر , الترمذي (2478) ، وابن ماجة (3350) ، وأخرجه من حديث أبي جحيفة بن أبي الدنيا في (الجوع) : 2/ 2، والطبراني في (الأوسط) و (الكبير) كما في (المجمع) : 5/ 31، وأخرجه من حديث عبد الله بن عمر الطبراني، ومن حديث ابن عباس الطبراني، وأبو نعيم في (الحلية) : 3/ 345، 346، ومن حديث سلمان ابن ماجة (3351) .
(5) (( ينظر: مجمع الزوائد: 5/ 186، 9/ 355 - 356، 9/ 356. قال الهيثمي:(رواه أحمد وهو مرسل ورجاله رجال الصحيح واللفظ له، ورواه أبو يعلى عن سعيد عن معاوية فوصله ورجاله رجال الصحيح، ورواه الطبراني باختصار عن عبد الملك بن عمير عن معاوية وفيه إسماعيل بن إبراهيمك بن إبراهيم بن مهاجر وهو ضعيف وقد وثق) .
(6) (( ينظر: زاد المسلم: 5/ 196، قال الحافظ في(الإصابة) : 6/ 153 , وسويد فيه مقال.
(7) (( ينظر: البداية والنهاية: 8/ 522.