رابع المزاعم:
قالوا: إن معاوية لم يبايع الإمام عليًا لأنه كان مُتَهِمًا إياه بقتل عثمان أو قاتلًا له:
لقد أورد ابن مخنف خبرًا مفاده أن معاوية قال: (لا نبايع متهمًا أو قاتلًا له - أي قتل عثمان - رضي الله عنه - وهو أحد من يُطلب فكيف نحكَّمه أو نبايعه وهو خليفة عدا وتسور) [1] .
الرد عليهم:
نقول وبالله التوفيق: إن أسباب عدم مبايعة معاوية لعلي رضي الله عنهما بالخلافة تعود إلى أن معاوية يعتبر نفسه أنه ولي دم عثمان - رضي الله عنه - الذي قتل مظلومًا، وهو المطالب بمقاتلة قاتليه، وقاتلوه كانوا في معسكر الإمام علي كرم الله وجهه ورضي عنه، والذي بدوره طالب الإمام علي بتسليم قتلة عثمان - رضي الله عنه - إليه، ثم بعد ذلك يبايع، ولكن الإمام علي امتنع من تسليم قتلة عثمان لمعاوية لحكمة كان يراها ضرورية لحفظ وحدة المسلمين [2] ، ولكن حدث ما حدث من أمر القتال.
قال الواقدي: (لما قتل عثمان، بعثت نائلة بنت الفرافضة امرأته إلى معاوية كتابًا بما جرى، وبعثت بقميصه بالدم، فقرأ معاوية الكتاب، وطيف بالقميص في أجناد الشام، وحرضهم على الطلب بدمه: فقال ابن عباس لعلي: اكتب إلى معاوية، فأقره على الشام، وأطمعه يكفك نفسه وناحيته فإذا بايع لك الناس أقررته أو عزلته، وبلغ معاوية، فقال: والله لا آلي له شيئًا ولا أبايعه، وأظهر بالشام أن الزبير قادم عليك ونبايعه، فلما بلغه مقتله ترحم عليه، وبعث عليٌ جريرًا إلى معاوية فكلمه وعظَّم عليًا، فأبى أن يبايع، فرد جريرًا، وأجمع على المسير إلى صفين، فبعث معاوية أبا مسلم الخولاني إلى علي بأشياء يطلبها منه، وأن يدفع إليه قتلة عثمان، فأبى، ورجع أبو مسلم وجرت بينهما رسائل، وقصد كل منهما الآخر، فالتقوا لسبع بقين من المحرم سنة سبع) [3] .
وجاء في رواية: لما قتل عثمان - رضي الله عنه - أرسلت أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان إلى أهل عثمان: ارسلوا إليَّ بثياب عثمان التي قتل فيها، فبعثوا إليها بقميصه مضرجًا بالدم، وبخصلة الشعر التي نتفت من لحيته، ثم
(1) (( ينظر: العواصم من القواصم ص 152.
(2) (( يقول العلماء: إن أمر إقامة القصاص على هؤلاء متروك إلى الإمام علي - رضي الله عنه -، وليس لمعاوية، إنما كان ذلك من معاوية اجتهادًا وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
(3) (( أي سبع وثلاثين، انظر: التاريخ: للطبري 5/ 6 وما بعدها، التاريخ: لابن الأثير 3/ 289، 326، البداية والنهاية: 7/ 258، 278.