سابع المزاعم:
قالوا: إن الفئة الباغية التي قتلت عمار بن ياسر - رضي الله عنه - هي فئة معاوية؟:
الرد عليهم:
روى البخاري في كتاب الجهاد والسير عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمار: (( تقتله الفئة الباغية ) )وذلك لما كانوا يبنون المسجد فكان الناس ينقلون لبنة لبنة وعمار ينقل لبنتين لبنتين [1] .
وقد كان معاوية - رضي الله عنه - يعرف من نفسه أنه لم يكن منه البغي في حرب صفين، لأنه لم يردها، ولم يبتدئها، ولم يأت لها إلاَّ بعد أن خرج الإمام علي - رضي الله عنه - من الكوفة وضرب معسكره في النخيلة ليسير إلى الشام، ولما علم معاوية بمقتل عمار - رضي الله عنه -، قال: (إنما قتله الذين جاؤوا به) [2] ، معتقدًا أن الذين قتلوا عثمان هم السبب في مقتل عمار بن ياسر، لأنهم أساس الفتنة وأساس البغي، ولأنهم واصلوا تسعير نارها [3] .
وربما كانت وراء مقتله - رضي الله عنه - أيدٍ خفية، وهذه الأيدي هي السبب في تأجيج الحرب وإشعال فتيلها، حيث كان في جيش الإمام علي - رضي الله عنه - أغلب قتلة عثمان والذين يمثلون مراكز مهمة بارزة، منهم في قيادة الجيش، ومنهم استشاريون، وأهل مشورة بدليل أنه لما كاد جيش علي أن ينتصر على جيش معاوية، ورفع أنصار معاوية المصاحف مطالبين بتحكيم القرآن فيها، وشعر الإمام علي - رضي الله عنه - أن في الأمر خدعة، وأن النصر المبين قد اقترب فرفض وقف الحرب إلاَّ أن أتباعه اختلفوا حول قبول التحكيم ورفضه، فخرج الخوارج عليه، وكانوا جزءًا من جيشه، وأجبروه على قبول التحكيم، فوافق عليه في النهاية مذعنًا لرأي الأكثرية، ولكن سرعان ما انقلب هؤلاء إلى رافضين لفكرة التحكيم، ومكفرين كل من يقبل به ورفعوا شعار (لا حكم إلاَّ لله وليس إلى الرجال) [4] .
(1) (( ينظر: صحيح البخاري: 3/ 207 , وأخرجه الإمام أحمد: 3/ 91.
(2) (( ينظر: مسند الإمام أحمد: 2/ 161 بسند صحيح. قال ابن القيم في الصواعق المرسلة: 1/ 184: (نعم التأول الباطل تأويل أهل الشام قوله - صلى الله عليه وسلم - لعمار: (( تقتلك الفئة الباغية ) )، فقالوا: نحن لم نقتله إنما قتله من جاء به حتى أوقعه بين رماحنا، فهذا هو التأويل الباطل المخالف لحقيقة اللفظ وظاهره، فإن الذي قتله هو الذي باشر قتله، لا من استنصر به). وقال ابن كثير في البداية والنهاية: 6/ 221: (فقول معاوية: إنما قتله من قدمه إلى سيوفنا، تأويل بعيد جدًا، إذ لو كان كذلك لكان أمير الجيش هو القاتل للذين يقتلون في سبيل الله، حيث قدمهم على سيوف الأعداء) . وقال القرطبي في التذكرة: 2/ 223: (وقد أجاب علي - رضي الله عنه - عن قول معاوية بأن قال: فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذن بقتل حمزة حين أخرجه، وهذا من علي - رضي الله عنه - إلزام، وحجة لا اعتراض عليها) .
(3) (( ينظر: العواصم من القواصم ص 158.
(4) (( ينظر: المؤامرة الكبرى ص 36.