فحديث (( تقتله الفئة الباغية ) )من معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم -، والطائفتان المتقاتلتان مؤمنتان، لقوله تعالى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [1] .
وكذلك أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث آخر، قال: (( تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق ) )وفي رواية أخرى (( تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق ) ) [2] .
والفرقة المارقة التي خرجت قاتلها الإمام علي - رضي الله عنه - وهم الخوارج، وقال - صلى الله عليه وسلم - في الحسن بن علي رضي الله عنهما: (( إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ) ) [3] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمة الله) ما نصه: (ولم يكن معاوية ممن يختار الحرب ابتداءً، بل كان من أشد الناس حرصًا على أن لا يكون قتال، وكان غيره أحرص على القتال منه وقتال صفين فيه أقوال، فمنهم من يقول: كلاهما كان مجتهدًا مصيبًا، كما يقول ذلك كثير من أهل الكلام والفقه والحديث ممن يقول: كل مجتهد مصيب، ويقول: كانا مجتهدين، وهذا قول كثير من الأشعرية والكرامية، وتقول الكرامية: كلاهما إمام مصيب، ويجوز نصب إمامين للحاجة، ومنهم من يقول: علي هو المصيب وحده، ومعاوية مجتهد مخطئ، كما يقول ذلك طوائف من أهل الكلام والفقهاء أهل المذاهب الأربعة، وقد حكى هذه الأقوال الثلاثة أبو عبد الله حامد من أصحاب الإمام أحمد وغيره، ومنهم من يقول: كان الصواب أن لا يكون قتال، وكان ترك القتال خيرًا للطائفتين، فليس في الاقتتال صواب، ولكن عليًا كان أقرب إلى الحق من معاوية والقتال فتنة، ليس بواجب ولا مستحب، وكان ترك القتال خيرًا للطائفتين مع أن عليًا كان أولى بالحق وهذا قول أحمد، وأكثر أهل الحديث، وأكثر أئمة الفقهاء، وهو قول أكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وهو قول عمران بن حصين - رضي الله عنه - وكان ينهى عن بيع السلاح في ذلك القتال، ويقول: هو بيع السلاح في الفتنة، وهو قول أسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأكثر من بقي من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار - رضي الله عنهم - ولهذا كان مذهب أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة، فإنه قد ثبتت فضائلهم ووجبت موالاتهم ومحبتهم) [4] .
(1) (( سورة الحُجرات الآية(9) .
(2) (( صحيح مسلم: 2/ 745 , 746.
(3) (( صحيح البخاري(2704) و (3746) و (7109) ، والترمذي (3775) ، والنسائي: 3/ 107، وأبو داود (4672) . والطبراني (2588) و (2592) و (2593) ، وأحمد: 5/ 38 و 44 و 49 و 51.
(4) (( ينظر: منهاج السنة ابن تيمية: 2/ 269 وما بعدها.