فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 87

دعت النعمان بن بشير، فبعثته إلى معاوية، فمضى بذلك وبكتابها [1] . ورواية أخرى: خرج النعمان بن بشير ومعه قميص عثمان مضمخ بالدماء، ومعه أصابع نائلة التي أصيبت حين دافعت عنه بيدها، فورد النعمان على معاوية بالشام، فوضع معاوية على المنبر ليراه الناس، وعلق الأصابع في كم القميص يرفع تارة ويوضع تارة، والناس يتباكون حوله سنة، وحث بعضهم بعضًا على الأخذ بثأره، وجاء شرحبيل بن السمط الكندي وقال لمعاوية: كان عثمان خليفتنا، فإن قويت على الطلب بدمه وإلاَّ فاعتزلنا، وآلى رجال الشام أن لا يمسوا النساء ولا يناموا على الفرش حتى يقتلوا قتلة عثمان ومن عرض دونهم بشيء أو تفنى أرواحهم [2] .

لقد كانت الصورة التي نقلها النعمان إلى أهل الشام غير سارة وبشعة، مقتل الخليفة، سيوفًا مصلتة من الغوغاء على رقاب الناس، بيت المال منتهكًا مسلوبًا، وأصابع نائلة مقطوعة، فهاجت النفوس والعواطف، واهتزت المشاعر، وتأثرت بها القلوب، وذرفت منها العيون، ولا غرابة بعد هذا إطلاقًا أن نرى معاوية ومن معه من أهل الشام بالإصرار على المطالبة بدم عثمان، وتسليم القتلة للقصاص قبل البيعة، وهل نتصور أن يتم مقتل أمير المؤمنين وسيد المسلمين من حاقدين محتلين متآمرين، ولا يتماوج العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه للقصاص من أصحاب هذه الجريمة البشعة [3] .

وثمة دليل آخر على أن معاوية ليس بخليفة كي ينازع الإمام عليًا - رضي الله عنه -، ما ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء [4] عن يونس عن شهاب قال: (لما بلغ معاوية هزيمة يوم الجمل وظهور علي، دعا أهل الشام للقتال معه على الشورى والطلب بدم عثمان فبايعوه على ذلك أميرًا غير خليفة) .

فعلينا أن نحمل الأمر الذي وقع بينهما على الظن الحسن، فإن عدم مبايعة أهل الشام للإمام علي - رضي الله عنه - قولهم لا نبايع من يؤوي القتلة، فأهل العراق يدعون إلى علي بالبيعة وتأليف الكلمة على الإمام علي، وأهل الشام يدعون إلى التمكين من قتلة عثمان - رضي الله عنه -، فهذا النزاع أدى إلى القتال بينهما ليس إلاَّ، وليته لم يقع وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وقال ابن كثير: (وقد ورد من غير وجه أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه دخلوا على معاوية فقالوا له: هل تنازع عليًا أم أنت مثله؟. فقال: والله إني لأعلم أنه خير مني وأفضل، وأحق بالأمر مني) [5] .

(1) (( ينظر: تاريخ الإسلام ص 465.

(2) (( ينظر: البداية والنهاية: 7/ 227، وتاريخ الطبري: 5/ 600، سيرة أمير المؤمنين علي ص 460 وما بعدها.

(3) (( سيرة أمير المؤمنين علي ص 461. نقلًا من كتاب معاوية بن أبي سفيان للغضبان ص 178.

(5) (( ينظر: البداية والنهاية: 8/ 133.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت