تَكْنِزُونَ [1] . وفي الحديث الصحيح: «من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوق به يوم القيامة ثم يأخذ بلهزميته (يعني شدقيه) ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك» متفق عليه [2] .
ولا يخفى ما منّ الله به على عباده من نعمة المال ولا سيما في هذا الزمن الذي تكاثرت فيه المصالح والخيرات، واتسعت فيه أسباب الرزق، وتضخمت فيه أموال كثير من الناس وما الأموال إلا ودائع في أيدي الأغنياء، وفتنة وامتحان لهم من الله لينظر أيشكرون أم يكفرون. ومن شكرها وقيد النعمة أداء زكاتها، والصدقة على الفقراء والمساكين والإنفاق مما استخلفهم الله فيه، قال تعالى: (آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ [3] .
ومن الحكمة في تشريع الزكاة مواساة الأغنياء لإخوانهم الفقراء فلو قام الأغنياء بهذه الفريضة حق القيام وصرفوا الزكاة مصرفها الشرعي لحصل للفقراء والمساكين ما يكفيهم، ولا يحتاجون معه إلى غيره. أما إذا منع الأغنياء ما أوجب الله عليهم من فريضة الزكاة فإنه ينشأ من هذا أضرار ومفاسد كثيرة، من تعريض العبد نفسه للعذاب العظيم، وكراهة الله والناس له، وتسبب لإهلاك المال وانتزاع البركة منه، ففي الحديث «ما خالطت الزكاة مالًا قط إلا أهلكته» [4] ، ومن ظلم للفقراء والمساكين وإيصال الضرر إليهم، ودعوة لهم إلى ارتكاب شتى الحيل في الحصول على لقمة العيش، والتعرض للوقوف في المواقف الحرجة، والإلحاح في السؤال، بل ربما اضطرتهم فاقتهم وشدة الحاجة إلى السرقة والإقدام على بعض الجرائم لما يقاسونه من آلام الفقر والمسكنة التي لو أحس بها الغني يومًا من الدهر لتغيرت نظرته إليهم ولعرف عظيم نعمة الله عليه، وإذا كان في الزكاة مصلحة للفقراء والمساكين وبهم ضرورة إليها فإن فيها مصلحة لأرباب الأموال وبهم ضرورة إلى أدائها من تطهير وتزكية لهم وبعد عن البخل المذموم وقرب من فغل الكرم والجود، واستجلاب للبركة والزيادة والنماء، وحفظ للمال ودفع للشرور عنه.
ولهذا قال (: «من أدى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره» رواه الطبراني - وابن خزيمة في صحيحه - وعن أنس (قال أتى رجل من تميم رسول الله (فقال: يا رسول الله إني ذو مال كثير وذو أهل ومال وحاضرة فأخبرني كيف أصنع وكيف أنفق؟ فقال رسول الله (: «تخرج الزكاة من مالك فإنها طهرة
(1) سورة التوبة آية 35.
(2) المصدر السابق ص 61.
(3) سورة الحديد آية 7.
(4) رواه البزار والبيهقي بلفظ"إلا أفسدته"الترغيب والترهيب ج 2 ص 63.