4 -ومنها تأخيره الفطور إلى السحور روي عن عائشة وأنس أنه (كان في ليالي العشر يجعل عشاءه سحورًا، وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد مرفوعًا قال: «لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله. قال: «إني لست كهيئتكم إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني» وهذا إشارة إلى ما كان الله يفتح عليه في صيامه وخلوته بربه لمناجاته وذكره من مواد أنسه ونفحات قدسه فكان يرد بذلك على قلبه من المعارف الإلهية والمنح الربانية ما يغذيه ويغنيه عن الطعام والشراب.
5 -ومنها الاغتسال بين العشائين، روى ابن أبي حاتم عن عائشة رضي الله عنها كان رسول الله إذا كان في رمضان نام وقام فإذا دخل العشر شد المئزر واجتنب النساء واغتسل بين العشائين يعنى المغرب والعشاء. قال ابن جرير كانوا يستحبون أن يغتسلوا كل ليلة من ليالي العشر الأواخر ومنهم من كان يغتسل ويتطيب في الليالي التي تكون أرجى لليلة القدرة.
فيستحب في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر التنظف والتطيب والتزين بالغسل والطيب واللباس الحسن كما شرع ذلك في الجمع والأعياد. ولا يكمل التزين الظاهر إلا بتزيين الباطن بالإنابة والتوبة وتطهيره من أدناس الذنوب فإن زينة الظاهر مع خراب الباطن لا تغنى شيئًا.
والله سبحانه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم فمن وقف بين يديه فليزين ظاهره باللباس وباطنه بلباس التقوى قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ( [سورة الأعراف آية: 26] .
6 -ومنها الاعتكاف: ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها (أن النبي(كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله) وإنما كان (يعتكف في هذه العشر التي تطلب فيها ليلة القدر قطعًا لأشغاله وتفريغًا لباله وتخليًا لمناجاة ربه وذكره ودعائه.
ومعنى الاعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق. فالخلوة المشروعة لهذه الأمة هي الاعتكاف في المساجد خصوصًا في شهر رمضان وخصوصًا في العشر الأواخر منه كما كان النبي (يفعله، فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره ودعائه وقطع عن نفسه كل شاغل يشغله عنه وعكف بقلبه على ربه وما يقربه منه فما بقي له هم سوى الله تعالى وما يرضيه عنه وبالله