ويكافحهم حتى صرع، فهو حينئذ لم ينشغل ولم يفكر في أمر سوى الشهادة، حيث قال: «اللهم إني أصبحت ضيقا لابن بسطام، وأمسيت ضيفك، فاجعل قراي من ثوابك الجنة» (1) ، فقتاله كان الأمرين: الحياة والنصر للمسلمين، أو الشهادة، فلا صرع أكد إخلاصه ورغبته في الشهادة حينها أصبحت همه الوحيد، وشغله الشاغل، رغم ما به من جراح.
ودخل النضر بن راشد العبدي) 2 على امرأته والمسلمون يقاتلون الترك، فقال لها: كيف بك إذا أتي بي مضرجا بالدماء؟ فشقت جيبها ودعت بالويل، فقال: حسبك، لو أعولت علي كل أنثى لعصيتها شوقا إلى الحور العين، وخرج فقاتل حتى استشهد"3. وهذا القول والعمل لا يصدر إلا من إنسان بلغ به الإيمان بمنزلة الشهداء عند الله مبلغه، حتى أصبح المحرك الرئيس لحواسه وجوارحه."
ذلك جزء يسير مما ورد في منزلة الشهداء عند الله وفضلهم، تلك المنزلة التي لم يبلغها أحد سواهم؛ لأنهم جادوا بأغلى ما لديهم، فكان جزاؤهم أعظم جزاء وأنبله.
وكان من أثر ذلك أن تدفق جند الإسلام يطلبون الشهادة طمعا في کرامتها ومنزلتها، فأعرضوا عن الدنيا وزخارفها، فلم تكن في يوم من الأيام عائقا أمام أحدهم، بل كان طلب الشهادة قوة سلاحية نافذة، ذاق من جرائها الأعداء نكبات القتل وعار الهزيمة
(1) المصدر السابق
(2) شجاع من سادة بني عبد القيس، شهد مع الجنيد حروبه فيد الترك في سمر قند وقتل
سنة ثنتي عشرة ومائة. انظر الزركلي، الأعلام، ج 2 ص 33. (3) انظر الطبري. المصدر السابق، ص 74 - 75.