الصفحة 110 من 376

غير أن القول بحدوث نكسات وخيبة أمل خلال عملية تطبيق الديموقراطية، أو القول بأن النجاح لن يكون من نصيب كل من يطبق اقتصاد السوق، لا ينبغي أن يحول انتباهنا عن النمط الأوسع الذي يشهده تاريخ البشرية الآن. ذلك أن عدد الخيارات المتاحة أمام الدول في تحديدها لكيفية تنظيم نفسها سياسيا واقتصاديا، يتناقص بمرور الزمن، فمن بين الأنماط المختلفة للأنظمة التي ظهرت عبر تاريخ الإنسانية، (من الملكيات والأرستوقراطيات، إلى الحكومات الدينية الخاضعة لرجال الدين، الى الديكتاتوريات الفاشية والشيوعية في قرننا هذا) ، نجد أن الشكل الوحيد للحكومة الذي بقى ثابتا لم يمس حتى نهاية القرن العشرين، هو الديموقراطية الليبرالية.

وبعبارة أخرى فإن الذي خرج ظافرا ليست هي الممارسة الليبرالية بقدر ما كان الظفر للفكرة الليبرالية، ومعنى هذا أن شطرا عظيما من العالم اليوم لا يرى أيديولوجية واحدة يمكن أن تدعى لنفسها صفة العالمية، وأنها في وضع يؤهلها لتحدى الديموقراطية الليبرالية، كما أنه لا يرى مبدأ عالميا للشرعية غير مبدأ سيادة الشعب. فمع بداية هذا القرن انهزمت النظم الملكية بشتى أنواعها إلى حد كبير. وقد تبددت سمعة الفاشية والشيوعية اللتين كانتا حتى الآن المنافستين الرئيسيتين الديموقراطية الليبرالية. فإن لم تنجح الديموقراطية في فرض نفسها في الاتحاد السوفييتي (أو الدول التي خلفته) ، وإن ارتدت بيرو أو الفلبين إلى شكل من أشكال الاستبداد، فإن من الأرجح أن يكون المنتصر على الديموقراطية هو كولونيل أو بيروقراطي يزعم أنه لا يتحدث إلا باسم شعب روسيا أو بيرو أو الفلبين. فحتى غير الديموقراطيين سيضطرون إلى الحديث بلغة الديموقراطية من أجل تبرير خروجهم على المعيار العالمي الأوحد.

صحيح أن الإسلام يشكل ايديولوجيا متسقة ومتماسكة شأن الليبرالية والشيوعية، وأن له معاييره الأخلاقية الخاصة به ونظريته المتصلة بالعدالة السياسية والاجتماعية. كذلك فإن للإسلام جانبية يمكن أن تكون عالمية، داعيا إليه البشر كافة باعتبارهم بشرا لا مجرد أعضاء في جماعة عرقية أو قومية معينة، وقد تمكن الاسلام في الواقع من الانتصار على الديموقراطية الليبرالية في أنحاء كثيرة من العالم الإسلامي، وشكل بذلك خطرا كبيرا على الممارسات الليبرالية حتى في الدول التي لم يصل فيها الى السلطة السياسية بصورة مباشرة. وقد تلا نهاية الحرب الباردة في أوروبا على الفور تحدى العراق للغرب، وهو ما قيل (عن حق أو عن غير حق) إن الاسلام كان أحد عناصره (4) .

غير أنه بالرغم من القوة التي أبداها الإسلام في صحوته الحالية، فبالإمكان القول إن هذا الدين لا يكاد يكون له جانبية خارج المناطق التي كانت في الأصل إسلامية الحضارة , وقد يبدو أن زمن المزيد من التوسع الحضاري الإسلامي قد ولى. فإن كان بوسع الإسلام أن يكسب من جديد ولاء المرتدين عنه، فهو لن يصادف هوى في قلوب شباب برلين، أو طوكيو، أو موسكو. ورغم أن نحو بليون نسمة يدينون بدين الاسلام، (أي خمس تعداد سكان العالم) ، فليس بوسعهم تحدي الديموقراطية الليبرالية في أرضها على المستوى الفكري (9) . بل إنه قد يبدو أن العالم الإسلامي أشد عرضة للتأثر بالأفكار الليبرالية على المدى الطويل من احتمال أن يحدث العكس، حيث إن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت