مضطرة إلى تبني تكنولوجيا أعدائها ومنافسيها. والأهم من ذلك، أن خطر الحرب يضطر الدول إلى إعادة بناء أنظمتها الاجتماعية بحيث تكون أكثر فعالية في إنتاج التكنولوجيا واستخدامها. وعلى سبيل المثال فإن على الدول أن تكون بحجم معين يسمح لها بمنافسة جيرانها، وهو ما يخلق حافز) قويا من أجل الوحدة القومية، وعليها أن تعبيء مواردها على المستوى القومي وهو ما يتطلب إقامة سلطة مركزية قوية للدولة لها حق فرض الضرائب وسن القوانين، وعليها هدم أشكال مختلفة من الروابط الاقليمية والدينية والأسرية التي يمكن أن تعرقل الوحدة القومية. وعليها أن تنهض بمستوى التعليم من أجل تخريج صفوة قادرة على استخدام التكنولوجيا، وعليها أن تتابع التطورات التي تجري في الدول خارج حدودها وتقيم الصلات معها. وبات لزاما عليها، بعد إدخال نظام تعبئة الجيوش الجرارة منذ الحروب النابليونية، أن تفتح الباب على الأقل أمام منح الحقوق المدنية الطبقات الأفقر في مجتمعاتها متى شاءت أن تكون التعبئة العامة في وسعها. وقد تنشأ كل هذه التطورات عن بواعث أخرى، كالبواعث الاقتصادية. غير أن الحروب تؤكد أكثر من غيرها الحاجة إلى الحداثة الاجتماعية، وتوفر الامتحان الحقيقي لقدرتها على النجاح.
وثمة أمثلة تاريخية عديدة لما يسمى بالتحديث الدفاعي حين أضطرت دول إلى تبني الإصلاح نتيجة لخطر عسکري (4) . فالملكيات المركزية الكبرى في القرنين السادس عشر والسابع عشر، كفرنسا في عهد لويس الثالث عشر، وأسبانيا في عهد فيليب الثاني، سعت إلى دعم سلطانها على أراضيها لأسباب أهمها ضمان توفير الموارد اللازمة لشن حروب على جيرانها. ولم تعرف هذه الملكيات خلال القرن السابع عشر طعم السلام إلا لمدة ثلاث سنوات من بين مائة عام، وقد كانت الاحتياجات الاقتصادية الضخمة لحشد الجيوش هي الحافز الرئيسي لدى الحكومات المركزية على تحطيم قوة المؤسسات الإقطاعية والإقليمية، وخلق ما يوصف بأنه بناء حديث، للدولة (ه) . كذلك كان لبزوغ الملكية المطلقة بدوره أثره في تحقيق قدر من المساواة بين أفراد المجتمع الفرنسي عن طريق تقليل امتيازات الطبقة الأرستوقراطية، وفتح الطريق أمام ظهور طوائف اجتماعية جديدة، وهو ما كان له أثره الحاسم أثناء الثورة الفرنسية.
وحدث أمر مماثل في الامبراطورية العثمانية واليابان. فدخول الجيش الفرنسي بقيادة نابليون مصر عام 1798، هز المجتمع المصرى هژا، وأدى إلى إصلاح جذري في الجيش المصري نهض به الوالي العثماني محمد على. وقد بلغ نجاح هذا الجيش الجديد الذي أسهم الأوروبيون في تدريبه، درجة أن تحدي معها الحكم العثماني في أنحاء عديدة من الشرق الأوسط، مما دفع السلطان العثماني محمود الثاني إلى النهوض بإصلاحات واسعة النطاق على غرار إصلاحات ملوك أوروبا في القرنين السالفين، وقد كسر السلطان محمود شوكة النظام الإقطاعي القديم بتدبيره مذبحة للإنكشارية (وهم صفوة حرس القصر) عام 1829، وأسس سلسلة من المدارس المدنية، وعزز كثيرا من قوة البيروقراطية العثمانية المركزية. كذلك فإن تفوق فعالية مدافع البحرية بقيادة القائد البحري بيري كان حاسما في إقناع طيقة و الدايمو ا في اليابان بأنه يتحتم على بلادهم الانفتاح على الخارج وقبول تحدى المنافسة الأجنبية. (لم يحدث هذا دون مقاومة. ففي الخمسينيات من القرن الماضي حكم بالسجن على تاكاشيما شوهان الخبير بالمدفعية يسبب دعوته إلى تبني التكنولوجيا