العسكرية الغربية)، وقد رفعت الزعامة الجديدة في اليابان شعار، دولة غنية، وجيش قوي، وأحلت مكان مدارس المعبد القديمة نظاما من التعليم الإجباري تديره الدولة، ومكان محاربي الساموراي جيشا كبيرا من الفلاحين، وفرضت نظاما قوميا للضرائب، وللبنوك، وللعملة. وقد كان الحافز وراء هذا التغيير الشامل في المجتمع الياباني خلال عهد أسرة الميجي واستعادة مركزية الدولة اليابانية، هو الإحساس الملح بأن على اليابان أن تتعلم استيعاب التكنولوجيا الغربية من أجل الاحتفاظ باستقلالها الوطني والحيلولة دون وقوعها. كما وقعت الصين. في براثن الاستعمار الأوروبي (6) .
وفي حالات أخرى نجد أن الهزيمة المنكرة في الحرب هي الدافع إلى تبني الإصلاح الاجتماعي العقلاني. فإصلاحات فوم شتاين و شارنهورست وجنيسيناو في بروسيا، كان وراءها إدراك أن نابليون إنما تمكن من هزيمة بروسيا في موقعة بينا - أورشتات بهذه السهولة بسبب تخلف الدولة البروسية وانفصالها التام عن المجتمع. وقد صحب الإصلاحات العسكرية (كتطبيق نظام التجنيد الإجبارى العام) ، تطبيق القانون نابليون في بروسيا، وهو حيث رأى فيه هيجل رمزا لبزوغ فجر الحداثة في ألمانيا (7) . وتعتبر روسيا مثالا للدولة التي كان التحديث والإصلاح فيها على مدى ثلاثة قرون ونصف قرن، نتيجة لطموحاتها العسكرية ونكساتها العسكرية (8) . فتحديث الجيش كان أساس جهود بطرس الأكبر في سبيل تحويل روسيا إلى ملكية أوروبية حديثة. وكانت الفكرة الأصلية وراء بناء مدينة سانت بطرسبورج هي جعلها قاعدة بحرية على رأس نهر النيفا. كذلك
أدت هزيمة روسيا في حرب القرم بصورة مباشرة إلى نهوض الإسكندر الثاني بإصلاحاته، ومن بينها إلغاء الرق، في حين كانت هزيمتها في الحرب الروسية اليابانية هي السبب في قيام ستوليبين بإصلاحاته الليبرالية وفي ازدهار النمو الاقتصادي في الفترة ما بين عامي 1900 و 911919).
وربما كان أحدث مثال للتحديث الدفاعي، الطور الأول من سياسة البيريسترويكا التي دشنها ميخائيل جورباتشوف، والواضح تماما من خطبه وخطب غيره من كبار موظفي الدولة السوفييتية، أن من أهم الأسباب التي دفعتهم أصلا إلى التفكير في النهوض بإصلاح جوهري في الاقتصاد السوفييتي، إدراكهم أن من شأن إغفال الإصلاح في الاتحاد السوفييتي أن يثير مشكلات خطيرة في وجه قدرته على المنافسة الاقتصادية والعسكرية في القرن الحادي والعشرين. كذلك فإن مبادرة الدفاع الاستراتيجي التي قام بها الرئيس ريجان شكلت تحدية قاسية، حيث إنها هددت بتحويل المخزون الكامل من الأسلحة النووية السوفييتية إلى أسلحة عتيقة عفا عليها الزمن، ونقلت التنافس بين الدولتين العظميين إلى مجالات مثل الميكرو - إليكترونيات وغيرها من الابتكارات التكنولوجية التي كان الاتحاد السوفييتي عاجزا عن مسايرة الولايات المتحدة فيها. وقد فهم القادة السوفييت. ومنهم الكثيرون من العسكريين - أن النظام الاقتصادي الفاسد الذي ورثوه من عهد بريجنيف عاجز عن مسايرة عالم تتحكم فيه مبادرة الدفاع الاستراتيجي الأمريكية، فأضحوا على استعداد لقبول خفض الإنفاق العسكري مؤقتا في سبيل ضمان البقاء على مدى طويل (10) .
فمن المفارقات إذن أن يكون استمرار الحروب والتنافس العسكري بين الأمم من العوامل الكبرى