التوحيد الأمم. فمع أن الحروب تؤدي إلى الدمار، فهي تجبر الدول على قبول الحضارة التكنولوجية الحديثة والهياكل الاجتماعية التي تدعمها. والعلوم الطبيعية الحديثة تفرض نفسها على الإنسان، سواء كان مبالية بها أم لا. وما من خيار أمام معظم الأمم غير قبول العقلانية التكنولوجية للحداثة، إن هي شاءت الحفاظ على سيادتها القومية. وهو مصداق لمقولة كانط بأن التغيرات التاريخية إنما تحدث نتيجة نزعة الإنسان للاجتماع المتسمة بطابع غير اجتماعي. فالصراع لا التعاون هو أول ما يغرى الإنسان بالعيش في مجتمعات، ثم بمحاولة تطوير إمكانات تلك المجتمعات بصورة أو في.
وبالوسع تجنب مقتضيات الترشيد التكنولوجي لمدة معينة من الوقت لو أن الإنسان يعيش في بقعة منعزلة أو غير مرغوب في سكناها. وفي مقابل ذلك، فإن حسن الحظ قد يصادف بعض الدول. مثال ذلك: أن العلم و الإسلامي كان عاجزأ عن إنتاج الطائرات المقاتلة القاذفة من طراز ف 4 ودبابات و تشيفتين، اللازمة للدفاع عن نظام الخميني في إيران ضد جيرانها الطموحين كالعراق، وكان بوسع إيران الإسلامية أن تهاجم العقلانية الغربية التي أنتجت مثل هذه الأسلحة لمجرد قدرة إيران على شرائها من دخلها من مواردها النفطية. فرجال الدين و الملالي، الذين يحكمون إيران كان بإمكانهم بكل بساطة أن يراقبوا الثروة المهمة تنبثق أمامهم من الأرض مما أتاح لهم فرصة الإقدام على مشروعات معينة كالثورة الإسلامية العالمية، وهي مشروعات تعجز عنها دول أخرى لا تتمتع بمثل هذه النعمة (11) .
والوسيلة الثانية التي يمكن بها للعلوم الطبيعية الحديثة أن تحدث تغييرات تاريخية غائية هي التذليل الدائب والمرحلي للطبيعة بهدف إشباع الاحتياجات الإنسانية، وهو ما نسميه التنمية الاقتصادية. فالتصنيع ليس مجرد تطبيق مكثف للتكنولوجيا في عملية الصناعة وابتداع الات جديدة، وإنما هو أيضا استخدام العقل البشري في حل مشكلة التنظيم الاجتماعي وابتداع تقسيم منطقي للعمل. هذه الاستخدامات المتوازية للعقل، لابتداع الات جديدة وتنظيم العملية الإنتاجية، قد نجحت إلى حد أبعد مما كان يحلم به الدعاة الأوائل إلى تطبيق المنهج العلمي، وقد زاد دخل الفرد في أوروبا الغربية الآن أكثر من عشرة أضعافه في منتصف القرن الثامن عشر حين كان هذا الدخل أعلى منه في كثير من دول العالم الثالث اليوم. (12) وأحدث النمو الاقتصادي تحولات اجتماعية متشابهة في كل المجتمعات بصرف النظر عن بناتها الاجتماعي السابق عليه. .
إن العلوم الطبيعية الحديثة تنظم اتجاه النمو الاقتصادي بفضل الآفاق دائمة التغير للإمكانات الإنتاجية (13) . والاتجاه الذي يسير فيه هذا التحول التكنولوجي وثيق الصلة بتطوير تنظيم للعمالة يزداد عقلانية بمضي الوقت (14) . فالتحسينات التكنولوجية مثلا في ميادين الاتصالات والمواصلات (كرصف الطرق، وتطوير السفن والموانيء، واختراع القطارات، وماشابه ذلك) هيأت إمكانية التوسع في حجم الأسواق، وهو ما ييسر بدوره قيام وفورات الحجم الكبير عن طريق ترشيد تنظيم العمالة، والمهام المتخصصة التي كانت غير مريحة حين كان المصنع لا يبيع منتجاته الأكثر من قريتين محليتين، تصبح فجأة ذات قيمة كبيرة حين يبيع هذا المصنع منتجاته لأمة