بأسرها، أو لسوق دولية أوسع (15) . وتؤدي هذه الإنتاجية المتزايدة الناجمة عن مثل هذه التغيرات، إلى توسيع السوق الداخلية، وتخلق حاجة جديدة إلى تقسيم العمل أبعد مدى.
إن متطلبات التنظيم الرشيد للعمل تفرض إدخال تغييرات متناسقة وواسعة النطاق في البناء الاجتماعي .. ذلك أن المجتمعات الصناعية لابد من أن تكون مجتمعات حضرية الطابع، لأنه في المدن وحدها يمكن أن يتوافر الحجم المناسب للعمالة الماهرة اللازم للصناعات الحديثة، ولأن المدن توفر البنية الأساسية والخدمات المطلوبة لقيام مشروعات كبيرة شديدة التخصص. وقد انهار نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا في نهاية المطاف، لأنه كان يقوم على الاعتقاد بأنه بالإمكان بوسيلة ما أن يظل العمال الصناعيون السود يقطنون الريف بصفة دائمة. فلكي نضمن فعالية سوق العمالة، ينبغى زيادة قدرة العمال على الحركة والتنقل. ذلك أنه من غير الممكن ربط العمال إلى الأبد بوظيفة معينة، أو بموقع معين، أو بمجموعة من العلاقات الاجتماعية المعينة، وإنما يتحتم أن يكون هؤلاء العمال أحرارة في التنقل من مكان إلى مكان، وفي النهوض بمهام جديدة وتعلم تكنولوجيات جديدة، وفي بيع قوة عملهم لمن هم على استعداد لدفع أعلى الأجور. ولهذا كله تأثير ضخم في زعزعة كيان الطوائف الاجتماعية التقليدية كالقبائل والعشائر والعائلات الكبيرة والطوائف الدينية و غير ذلك، فإن كانت تلك الوحدات الاجتماعية التقليدية، من بعض الوجوه، أكثر إشباعة للاحتياجات الإنسانية، فهي تنحسر وتتراجع بسبب افتقار تنظيمها إلى المبادئ العقلانية للكفاءة الاقتصادية، وتفسح الطريق للأشكال التنظيمية الراهنة.
وتحل محلها أشكال أو تنظيمات بيروقراطية و حديثة .. والمفروض أن يكون قبول العمال في هذه التنظيمات على أساس من المران والقدرات، لا على أساس العلاقات الأسرية أو المكانة العائلية، وأن يقيم أداؤهم بمقاييس ثابتة عامة. فالبيروقراطيات الحديثة تضفي طابعا مؤسسيا على التنظيم الرشيد للعمالة بأن تأخذ المهام المعقدة ثم تقسمها إلى هيكل هرمي مكون من مهام أكثر بساطة، ويمكن النهوض بالكثير منها بطريقة روتينية. والراجح أن ينتشر التنظيم البيروقراطي الرشيد في نهاية الأمر فيعم كل مظاهر حياة المجتمع في الدولة الصناعية، بصرف النظر عما إذا كان التنظيم المعنى هو وكالة حكومية، أو نقابة عمال، أو مؤسسة، أو حزبا سياسيا، أو جريدة، أو منظمة خيرية، أو جامعة، أو اتحادة مهنية. فالوضع الآن إذن هو عكس الوضع في القرن التاسع عشر، حين كان أربعة أخماس الأمريكيين يعملون لحسابهم الشخصي وليسوا بالتالي جزءا من تنظيم بيروقراطي. إذ نجد اليوم أن العشر فقط يعمل لحسابه الشخصي. وهذه والثورة غير المخطط لها، تكررت في كل البلدان الصناعية، بغض النظر عما إذا كانت هذه الدولة أو تلك رأسمالية أو اشتراكية، وبالرغم من الاختلافات في الخلفية الدينية أو الثقافية للمجتمعات السابقة على التصنيع التي تمخضت عن هذه الصور الجديدة (19) .
وقد ثبت خطأ القول بأن التنمية الصناعية تعني بالضرورة قيام پيروقراطيات متزايدة الحجم، أو اتحادات عملاقة من الشركات الصناعية. فالبيروقراطيات الضخمة تتضاءل فعاليتها مني تجاوز حجمها حدة معينة، إذ تصاب عندئذ بما يسميه الاقتصاديون عدم الوفر الناجم عن الحجم الكبير،