وتضحي بالتالي أقل كفاءة من عدد أكبر من المنظمات الأصغر. كذلك فإنه ليس ثمة حاجة إلى وجود صناعات حديثة معينة، مثل هندسة برامج الكومبيوتر الجاهزة في المدن الكبيرة. ومع ذلك فإن هذه الوحدات الأصغر في حاجة إلى تنظيم على أساس من المبادئ الرشيدة وإلى مؤازرة المجتمع الحضري.
ولا ينبغي النظر إلى التنظيم الرشيد للعمالة باعتباره ظاهرة مستقلة في جوهرها عن الابتكار التكنولوجي. فكلاهما مظهران لرشد الحياة الاقتصادية، الأول في مجال التنظيم الاجتماعي، والثاني في مجال إنتاج الألات. وقد كان كارل ماركس يعتقد أن إنتاجية الرأسمالية الحديثة قائمة في المقام الأول على إنتاج الالات، (أي تطبيق التكنولوجيا) ، لا على تقسيم العمل، وكان يأمل في أن يتحقق إنهاء تقسيم العمل في يوم ما (17) . فالتكنولوجيا ستتيح فرصة استئصال الفوارق بين المدينة والريف، وبين أقطاب صناعة النفط والعامل الجلف، وبين مدير البنك الاستثماري وجامع القمامة، وستخلق مجتمعا يمكن للمرء فيه، أن يمارس القنص في الصباح، وصيد السمك عند العصر، وتربية المواشي في المساء، والنقد بعد العشاء! (18) . غير أننا لا نجد دليلا واحدا على صحة هذا القول في كل أحداث التاريخ اللاحق للتنمية الاقتصادية العالمية. فالتنظيم الرشيد للعمالة لا يزال ضروريا للإنتاجية الاقتصادية الحديثة حتى مع التخفيف من وطأة المبالغة في التخصص وآثارها الضارة بالعقل بفضل تقدم التكنولوجيا. ولم تؤد محاولات الأنظمة الشيوعية إلغاء تقسيم العمل وإنهاء عبودية التخصص، إلا إلى طغيان أفظع من طغيان ورش مانشستر التي انتقدها مارکس بشدة (19) ، وقد حاول ماوتسي تونج إلغاء الفوارق بين المدينة والريف، وبين العمل الذهني والعمل البدني في أوقات شتي خاصة خلال سني، القفزة الكبرى إلى الأمام و في أواخر الخمسينيات وخلال فترة الثورة الثقافية بعد ذلك بعشر سنوات. وقد تسببت كل هذه المحاولات في الام لا يمكن تخيلها للشعب، لا يفوقها غير الالام الناجمة عن محاولة الخمير الحمر دمج المدن بالقرى في كمبوديا بعد عام 1975.
ولم يكن أي من تنظيم العمالة (20) أو البيروقراطيات (21) بالأمر الجديد وقت الثورة الصناعية. أما الجديد فكان ترشيدهما الكامل فيما بعد وفق مبادئ الكفاءة الاقتصادية، ويفرض شرط الرشد نمطأ واحدة على التطور الاجتماعي للمجتمعات الصناعية. ففي مجتمعات ما قبل التصنيع يمكن للناس أن يتطلعوا إلى ألف هدف وهدف، وقد يفرض الدين أو التقاليد فكرة تفوق حياة المحارب الأرستوقراطي على حياة التاجر الحضري، كما قد يفرض رجل الدين و الثمن العادل، لسلعة معينة. غير أن المجتمع الذي يعيش وفق هذه القواعد لن يخصص موارده على نحو يضمن الكفاءة. ولذا فإنه لن يتطور اقتصاديا بالسرعة التي يتطور بها مجتمع يعيش وفق قواعد رشيدة.
ولكي نوضح ما يتمتع به تقسيم العمل من قدرة على فرض التجانس على المجتمعات التي تأخذ به، سنعرض لتأثيره في العلاقات الاجتماعية في حالات محددة. ففي وقت انتصار الجنرال فرانكو على القوى الجمهورية في الحرب الأهلية الأسبانية، كانت أسبانيا دولة زراعية في المقام الأول. وكانت القاعدة الاجتماعية لليمين الأسباني قائمة على الوجهاء المحليين و الملاك الزراعيين في