الريف ممن كان بوسعهم تعبئة جماهير الفلاحين المؤيدين لفرانكو على أساس من التقاليد والولاء الشخصي. كذلك فإن المافيا، سواء انطلق نشاطها من نيوجيرسي أو من باليرمو، مدينة بتضامن أعضائها إلى نوع مماثل من العلاقات الشخصية والعائلية، شأن القادة العسكريين المحليين الذين لا يزالون يهيمنون على السياسة في الريف في بعض أقطار العالم الثالث كالسلفادور والفلبين. غير أن التنمية الاقتصادية الأسبانية في الخمسينيات والستينيات أدخلت علاقات السوق الحديثة في الريف، وأحدثت بالتالي ٹورة اجتماعية لم تكن متعمدة قضت على هذه العلاقات التقليدية بين السيد الراعي والتابع (22) . وقد انتقلت جموع غفيرة من الفلاحين من الريف إلى المدن، حارمة بذلك الوجهاء المحليين من الأنصار. أما الوجهاء أنفسهم قد تطوروا وأصبحوا منتجين زراعيين أكثر كفاءة وتطلعت أعينهم إلى الأسواق القومية والدولية. وأما الفلاحون الذين بقوا في الريف فأضحوا مستخدمين متعاقدين يبيعون عملهم للملاك (23) . فلو أن فرانكو آخر ظهر في يومنا هذا لما وجد القاعدة الاجتماعية التي يستند إليها من أجل تعبئة جيش له. كذلك يوضح لنا ضغط الترشيد الاقتصادي سبب استمرار المافيا في جنوب إيطاليا المتخلف نسبيا دون الشمال الصناعى. صحيح أن العلاقات التقليدية بين السيد الراعي والتابع القائمة على أساس من العلاقات غير الاقتصادية لا تزال ملحوظة في المجتمعات الحديثة (فكلنا يسمع مثلا عن ترقية ابن المدير فوق رءوس زملائه، أو عن شبكات المستخدمين التي لا تنتقى غير المحاسيب) . غير أنه من المعهود الآن اعتبار مثل هذه الأمور غير قانونية، بحيث باتت لا تتم إلا في الخفاء.
لقد حاولنا في هذا الفصل طرح سؤال: هل التاريخ غائي؟ ولقد فعلنا ذلك بصورة ساذجة متعمدة حيث إنه ثمة متشائمون كثيرون بيننا ينكرون أن التاريخ يكشف عن أية توجهات، وقد انتقينا العلوم الطبيعية الحديثة فاعتبرناها، الالية، الأساسية المحتملة للتحول التاريخي الغائي، وذلك بالنظر إلى أنها النشاط الاجتماعي واسع النطاق الوحيد الذي يجمع الناس على أنه تراکمي وبالتالي فهو غائي، ويتيح لنا التقدم المطرد في العلوم الاجتماعية الحديثة، فرصة لفهم الكثير من التفاصيل المحددة للتطور التاريخي، مثل السبب في استخدام الناس للعربات التي تجرها الخيول والسكك الحديدية في تنقلاتهم قبل تحولهم إلى استخدام السيارات والطائرات، أو السبب في أن أفراد المجتمعات اللاحقة أميل إلى سكنى المدن من أفراد المجتمعات السابقة، أو السبب في أن الحزب السياسي الحديث، أو نقابة العمال، أو الدولة القائمة على أساس الأمة، قد حلت جميعها محل القبيلة أو العشيرة باعتبارها المحور الرئيسي لولاء الجماعة في المجتمعات الصناعية.
غير أنه في حين يمكن للعلوم الطبيعية الحديثة أن تفسر بسهولة بعض الظواهر، فإنه ثمة ظواهر كثيرة أخرى (بدء بشكل الحكومة الذي يختاره مجتمع معين) لا يمكن لهذه العلوم تفسيرها إلا بصعوبة كبيرة، كذلك فإنه بالرغم من إمكان النظر إلى العلوم الطبيعية الحديثة باعتبارها و المنظم، المحتمل للتحول التاريخي الغائي، فإنه لا ينبغي النظر إليها باعتبارها السبب النهائي للتحول. ذلك أنه سيكون بوسع المرء أن يتساءل عندئذ على الفور: ولماذا العلوم الطبيعية الحديثة؟ فمع أن المنطق الداخلي للعلم قد يشرح سبب تطوره على النحو الذي يتطور عليه، فإن العلم نفسه لا يفسر لنا سبب اشتغال الناس بالعلوم. فالعلم باعتباره ظاهرة اجتماعية لا يتطور