لمجرد أن الناس يحدوهم حب استطلاع إزاء الكون، وإنما يتطور لأن العلم يتيح لهم فرصة إشباع رغبتهم في الأمن وفي تملك السلع المادية بصورة لا حدود لها، والشركات توظف الباحثين وخبراء التطوير لا عن حب مطلق للمعرفة، وإنما توظفهم سعيا وراء كسب المال. ويبدو أن الرغبة في النمو الاقتصادي خاصية شاملة تسود كل مجتمعات زمننا هذا. غير أنه إن لم يكن الإنسان مجرد حيوان اقتصادي، فسيكون التفسير الذي عرضناه في هذا الفصل تفسيرا غير كاف. وهو سؤال سنعود إلى طرحه بعد قليل.
إننا، حتى الآن، لا تضفي أي قيمة أخلاقية على الغائية التاريخية التي توحي بها العلوم الطبيعية الحديثة. وعلينا أن نسلم بافتراض أن ظواهر مثل تقسيم العمل أو النمو البيروقراطي، هي ظواهر مبهمة من حيث دلالاتها الخاصة بسعادة الإنسان، وهو ما أكده ادم سميث وماركس و فيبر و دوركهايم و غيرهم من علماء الاجتماع الذين كانوا أول من أشاروا إلى هذه الظواهر على أنها من معالم الحياة الحديثة، ولسنا في هذه المرحلة في حاجة إلى افتراض أن قدرة العلم الحديث على زيادة الإنتاجية الاقتصادية تجعل الناس أكثر أخلاقية أو سعادة أو أفضل مما كانوا عليه من قبل. وإنما نسعى في تحليلنا إلى أن ننطلق من نقطة معينة هي توضيح مبدئي لحقيقة أن ثمة أسبابا وجيهة للاعتقاد بأن التاريخ الناجم عن تقدم العلوم الطبيعية الحديثة يتحرك في اتجاه واضح واحد، وأن ندرس بعناية أو في العواقب المترتبة على هذه النتيجة.
فإن كان اكتشاف العلوم الطبيعية الحديثة يؤدي إلى أن يصبح التاريخ غائيا، فإن التساؤل الطبيعي الذي سيثور هو: هل يمكن الكف عن اختراعها؟ وهل يمكن أن يكف المنهاج العلمي عن التحكم في حياتنا، وما إذا كان بإمكان المجتمعات الصناعية أن تعود إلى وضعها الذي كانت عليه قبل عصرنا الحديث، وقبل عصر العلم؟ واختصارا نتساءل: هل يمكن لغائية حركة التاريخ أن تعكس مسارها؟