الصفحة 264 من 376

الثامن عشر، على أنه نزوع اقتصادي محض. فالالية التي خلقتها العلوم الطبيعية الحديثة هي بطبيعتها جزئية وغير كافية لتفسير المسار التاريخي. فالحكم الحر له جاذبيته الخاصة، وحين يتحدث رئيس الولايات المتحدة أو رئيس الجمهورية الفرنسية عن مناقب الحرية والديموقراطية، فهما يمنحائهما باعتبارهما خيرأ في حد ذاتيهما، وهو ما نجد له صدى لدى الشعوب في مختلف أنحاء العالم.

ولفهم هذا الصدى نحتاج إلى وقفة أخرى مع هيجل، أول فيلسوف يلبي دعوة كانط وبكتب ما لايزال إلى اليوم، من وجوه عدة، التاريخ العالمي الأكثر جدية , فوفق تفسير ألكسندر كوجيف يزودنا هيجل بالية بديلة تعيننا على فهم المسار التاريخي، وأساسها. الصراع من أجل نيل الاعتراف والتقديرا، ومع عدم اضطرارنا إلى طرح التفسير الاقتصادي للتاريخ جانبا، فإن نظرية هيجل هذه تسمح لنا باستعادة جدلية تاريخية متحررة تماما من المادية، هي أعلى بكثير في فهمها للبواعث الإنسانية من نظرية مارکس ومن المذهب الاجتماعي المتفرع عن مارکس.

وثمة تساؤل مشروع بطبيعة الحال حول ما إذا كان تفسير كوجيف لهيجل (وهو المعروض هنا) يعكس حقأ أفكار هيجل التي بسطها بنفسه، أم أنه مزيج من أفكار هيجل وكوجيف؟ صحيح أن كوجيف يتناول عناصر معينة من فكر هيجل، مثل الصراع من أجل نيل الاعتراف والتقدير ونهاية التاريخ، غير أنه يجعل من هذه العناصر حجر الأساس على نحو قد لا يتفق مع نية هيجل. ومع أن الكشف عن حقيقة فكر هيجل هو هدف هام يتصل بأغراض ا حجتنا الراهنة، فإن ما يعنينا ليس هيجل في حد ذاته بقدر ما يعنينا فكر هيجل كما فسره كوجيف، أو فكر فيلسوف جديد مركب من هيجل وكوجيف معا. وننوى في إشاراتنا المقبلة إلى هيجل أن تستخدم عبارة اهيجل - كوجيف .. أما أهتمامنا فسيكون بالأفكار دون المفكرين الذين أفصحوا عنها (3) .

قد يرى البعض أن اكتشاف المعنى الحقيقي لليبرالية يقتضي منا أن نرجع إلى ما قبل زمن هيجل، وأن ندرس فكر أولئك الفلاسفة الذين كانوا هم المنبع الأصلي لليبرالية، مثل هويز ولوك. ذلك أن أقدم وأرسخ المجتمعات الليبرالية، وهي التي تأخذ بالمذهب الأنجلوسكسوني مثل إنجلترا والولايات المتحدة وكندا - اعتادت أن تفهم نفسها دائما على ضوء أفكار جون لوك، ومع أننا سنعود للحديث عن هوبز ولوك، فإن هيجل هو أهم شواغلنا لسببين، الأول: أنه يزودنا بفهم لليبرالية أكثر نبط من فهم هوبز ولوك لها، ذلك أن التعبير عن ليبرالية لوك صحبه منذ البداية تقريبا قلق مستمر بشأن المجتمع الذي سينجم عن هذه الليبرالية وبشان النتاج الحتمي لذلك المجتمع، وهو البورجوازية. ويرجع هذا القلق في أساسه إلى حقيقة أخلاقية واحدة، هي أن البورجوازية مشغولة قبل كل شيء آخر برخاء عيشها المادي، فلا هي فاضلة ولا معنية بالقضايا العامة ولا أبهة بالمجتمع الأكبر حولها. واختصار، فإن البورجوازية أنانية، وأنانية الفرد هي أساس الانتقادات الموجهة إلى المجتمع الليبرالي سواء من اليسار الماركسي أو اليمين الأرستوقراطي الجمهوري. أما هيجل فيرفر لنا - عکس هوبز ولوك - فهما للمجتمع الليبرالي أساسه ذلك الجانب غير الأناني من الشخصية الإنسانية، ويسعى إلى الإبقاء على هذا الجانب محورا للمشروع السياسي الحديث. ولا نزال نريد أن نعرف ما إذا كان قد نجع في هذا أخيرة أم لا. وسيكون السؤال الأخير موضوع الجزء الختامي من هذا الكتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت