أما السبب الثاني لضرورة العودة إلى هيجل فهو أن فهم التاريخ باعتباره 1 صراعا من أجل نيل الاعتراف والتقدير، أمر مفيد جدا ينير لنا الطريق إلى معرفة العالم المعاصر , فنحن معشر سكان الدول الديموقراطية الليبرالية قد اعتدنا الأن سماع التعليق على الأحداث الجارية الذي يقصر الحافز فيها على الاعتبارات الاقتصادية، وباتت مفاهيمنا بورجوازية الطابع لدرجة أننا كثيرا ما ندهش حين نكتشف كيف أن معظم أوجه الحياة السياسية خالية تماما من أي اعتبار اقتصادي. بل إننا لا نملك حتى اللغة المشتركة للحديث بها عن ذلك الجانب من الطبيعة البشرية الذي تتحكم فيه الكبرياء والرغبة في إثبات الذات والذي هو المسؤول عن نشوب معظم الحروب والصراعات السياسية. فالصراع من أجل نيل الاعتراف والتقدير مفهوم قديم قسم الفلسفة السياسية، ويشير إلى
ظاهرة موازية للحياة السياسية نفسها. فإن بدت لنا اليوم هذه العبارة غير مألوفة فالسبب يرجع إلى نجاح الاقتصاد في التغلب على فكرنا خلال القرون الأربعة الماضية. ومع ذلك فإن الصراع من أجل نيل الاعتراف والتقدير واضح في كل مكان حولنا وهو أساس الحركات المعاصرة من أجل الحقوق الليبرالية، سواء في الاتحاد السوفييتي أو أوروبا الشرقية أو جنوب إفريقيا أو آسيا أو أمريكا اللاتينية أو حتى الولايات المتحدة ذاتها.
ولكي نكشف عن معنى، الصراع من أجل نيل الاعتراف والتقدير، نحتاج إلى فهم رأي هيجل في الإنسان أو في الطبيعة البشرية (4) . فالمفكرون المحدثون الأوائل من أصحاب النظريات الخاصة بالليبرالية السابقين على هيجل ناقشوا الطبيعة البشرية باعتبارها صورة للإنسان الأول، أي: إنسان الطبيعة .. ولم يكن قصد هويز ولوك وروسو أبدا أن تفهم عبارة إنسان الطبيعة على أنها تعني المفهوم التاريخي أو التجريبي عن الإنسان البدائي، وإنما هي في رأيهم نوع من التجربة الفكرية تجرد الشخصية الإنسانية من مظاهرها التي هي من نتاج التقاليد - مثل وصف هذا الشخص أو ذاك بأنه إيطالي، أو أرستوقراطي، أو بوذي - وتسعى إلى كشف خصائص الإنسان بوصفه إنسانة.
وقد أنكر هيجل أن لديه نظرية عن إنسان الطبيعة، ولعله كان يرفض أيضا أن ثمة طبيعة بشرية ثابتة لا تتغير. فالإنسان عنده حر غير محدد، وقادر بالتالي على تشكيل طبيعته عبر الزمن التاريخي. غير أن هذا المسار التاريخي لخلق الذات له نقطة بداية شبيهة بوضع إنسان الطبيعة (2) . وقد وصف هيجل الإنسان الأول البدائي في كتابه (فينومينولوجيا العقل، على أنه إنسان يعيش في بداية التاريخ، لا تختلف صورته الفلسفية عن صورة إنسان الطبيعة التي رسمها هوبز ولوك و روسو، ومعنى ذلك أن الإنسان الأول و هو مثال الكائن الأدمي الذي له من الصفات البشرية الأساسية ما كان قائما قبل نشأة المجتمع المدني وقبل بدء المسار التاريخي،
ويشترك الإنسان الأول عند هيجل مع الحيوان في حاجات طبيعية أساسية معينة، كالحاجة إلى الطعام، والنوم، والمأوى، ثم فوق كل شيء، الحفاظ على حياته. فهو إلى هذا الحد جزء من عالم الطبيعة أو المادة، غير أن الإنسان الأول عند هيجل مختلف اختلافا جوهرية عن الحيوان في أنه لا يشتهي أشياء حقيقية ملموسة فقط، كشريحة لحم، أو سترة من القراء تحميه من البرد، أو مأوي يعيش فيه، وإنما يشتهي أشياء غير مادية تماما. فهو يرغب فوق كل شيء في رغبة