الآخرين، أي في أن يريده الآخرون، أو في نيل الاعتراف والتقدير. بل إن هيجل يرى أن القرد لا يمكنه أن يعي ذاته ككائن بشري منفصل إلا أن أعترف به الآخرون. فالإنسان، بعبارة أخرى، هو منذ البداية كائن اجتماعي: فإحساسه بقيمته وهويته مرتبط ارتباطا وثيقا بتقييم الآخرين له. أو هو على حد تعبير ديفيد ريسمان، كائن يوجهه الآخرون (1) , فرغم أن ثمة مسلكا اجتماعية الدى بعض الحيوانات، فإن هذا السلوك غريزي أساسه الإشباع المتبادل لاحتياجات طبيعية. فالدولفين أو القرد يرغب في سمكة أو موزة، غير أنه لا يطمع في رغبة دولفين آخر أو فرد أخر فيه، ويذهب کو جيف إلى أن الإنسان وحده هو القادر على الرغبة في. شيء لا فائدة فيه من وجهة النظر البيولوجية (كالوسام أو راية جيش العدو) ،، فهو يريد مثل هذه الأشياء لا لذاتها. وإنما لأن بشرة آخرين بريدونها.
غير أن الإنسان الأول عند هيجل يختلف عن الحيوان اختلافا اخر أكثر جوهرية. فهو لا يريد فقط اعتراف الأخرين به، وإنما يريد أيضأ اعترافهم به كإنسان. ذلك أن ما يشكل هوية الإنسان باعتباره إنسانا (وهو أهم وأخص خصائص البشر) هو قدرته على المخاطرة بحياته. ولذا فإن لقاء الإنسان الأول بغيره من البشر يؤدي إلى صراع عنيف يسعى كل متنافس فيه إلى إجبار الأخر على و الاعتراف و به من خلال المخاطرة بحياته. فالإنسان كائن يوجهه الاخرون، وهو حيوان اجتماعي، غير أن أجتماعيته لا تؤدي به إلى الحياة في مجتمع مدني يسوده السلام، وإنما إلى صراع عنيف حتى الموت من أجل المنزلة الخالصة، وقد تسفر هذه المعركة الدموية عن نتيجة من ثلاث: فقد يموت المتصارعان، فتنتهي بموتهما الحياة نفسها، بشرية كانت أم طبيعية. وقد يموت أحد المتنافسين، فيظل المنتصر غير راض عن الوضع إذ لم يعد ثمة وعي بشري آخر ليعترف به، وقد تنتهي المعركة بقيام علاقة بين سيد وعبد، إذ يقرر أحد المتنافسين الإذعان لوضع العبودية مفضلا إياه على خطر الموت. وحينئذ يشعر السيد بالرضا إذ خاطر بحياته ونال الاعتراف والتقدير بسبب هذه المخاطرة من كائن بشري اخر. وهذا اللقاء الأول بين البشر الأوائل في حالة الطبيعة التي يتحدث عنها هيجل يماثل تماما في عنفه حالة الطبيعة عند هوبز أو حالة الحرب عند الوك، غير أنه لا يسفر عن عقد اجتماعي أو أي شكل من أشكال المجتمع المدني الذي يسوده السلام، وإنما عن علاقة بعيدة كل البعد عن التكافؤ، وهي علاقة السيد بالعيد (7) .
وينقسم المجتمع البدائي عند هيجل كما عند ماركس إلى طبقات اجتماعية. غير أن هيجل - عکس مارکس -- كان يرى أن أهم الفوارق الطبقية لا يقوم على أساس اقتصادي، كأن يكون المرء مالكا أو زارعا، وإنما يقوم على أساس موقف الإنسان من الموت العنيف , فالمجتمع ينقسم إلى سادة على استعداد للمخاطرة بحياتهم، وعبيد على غير استعداد للمخاطرة، وربما كان فهم هيجل للنظام الطبقي المبكر أصح تاريخية من فهم مارکس له. فالكثير من المجتمعات الأرستقراطية التقليدية قام أصلا على أساس من و أخلاقيات المحاربين، لدى قبائل من البدو تغلبت على شعوب تلازم أرضها وذلك بسبب تفوقها من حيث الشراسة والقسوة والشجاعة. وقد استقر مقام الأجيال اللاحقة من السادة بعد الغزو الأول في ضياع شاسعة، وقامت علاقة اقتصادية بين الملاك الزراعيين الذين يفرضون الضرائب أو الجزية وبين حشد كبير من الفلاحين (الرقيق) الخاضعين