الصفحة 270 من 376

السيطرتهم. غير أن أخلاقيات المحاربين - أي الإحساس بالتفوق نتيجة للاستعداد للمخاطرة بالحياة - ظلت هي جوهر ثقافة المجتمعات الأرستوقراطية في جميع أنحاء العالم، حتى بعد مرور سنوات طويلة من السلام والدعة تدهور خلالها أفراد هذه الأرستوقراطية ذاتها فتحولوا إلى رجال بلاط مدللين مخنثين.

قد يبدو هذا الرأي من جانب هيجل في الإنسان الأول غريبة على أسماع أهل عصرنا، خاصة حين يذهب إلى أن الاستعداد للمخاطرة بالحياة في معركة من أجل المنزلة الخالصة هو أهم خاصية للبشر. فقد يقال: أليس هذا الاستعداد للمخاطرة بالحياة مجرد عادة اجتماعية بدائية قد اختفت من عالمنا منذ زمن بعيد شأن المبارزات وجرائم الثأر (8) صحيح أننا في عالم اليوم قد نجد أناسة يخاطرون بحياتهم في معارك دامية من أجل الاسم، أو العلم، أو قطعة من الثياب. غير أن الغالب أن يكون هؤلاء من أفراد عصابات يتخذون لأنفسهم أسماء تعكس هذا المنهج أو تجار مخدرات، أو أنهم يعيشون في دول كأفغانستان، فكيف يمكن إذن أن يكون الرجل الذي هو على استعداد لأن يقتل وأن يقتل في سبيل شيء له قيمة رمزية بحتة (كالمنزلة أو الاعتراف والتقدير) أعمق إنسانية من الرجل الذي يقوده عقله إلى الإحجام عن قبول التحدي، والإذعان لقرار سلمى من محكمين، أو لحكم قضائي من المحاكم؟

ولا يمكن إدراك أهمية استعداد المرء المخاطرة بحياته في معركة من أجل المنزلة إلا أن تأملنا على نحو أعمق رأي هيجل في معنى الحرية الإنسانية , ففي المذهب الليبرالي الأنجلو سكسوني المالوف لدينا، ثمة فهم مشترك للحرية باعتبارها مجرد التحرر من القيود. يقول توماس هوبز: وتعني الحرية غياب المعارضة، وأعني بالمعارضة العوائق الخارجية للحركة، وهو ما ينطبق على الكائنات غير العاقلة والساكنة، و على الكائنات العاقلة سواء بسواء (1) . وحسب هذا التعريف نصف الصخرة المتدحرجة إلى أسفل الجبل، والدب الجائع المتجول في الغابة دون قيود، بأن كليهما احر .. غير أننا نعلم أن سقوط الصخرة تحكمه الجانبية الأرضية وانحدار الجيل، كما يتحكم في سلوك الدب تفاعل العديد من الرغبات والغرائز والاحتياجات الطبيعية. فالدب الجائع الذي يبحث في الغابة عن طعام هو حر، بالمعنى الصوري وحده، إذ ليس أمامه من خيار غير الاستجابة لجوعه وغرائزه، غير أن الديبة لا تضرب عن الطعام من أجل قضايا سامية، وسلوك الصخرة والحب نحدده طبيعتاهما والبيئة الطبيعية حولهما. فهما بهذا الصدد أشبه بالآلات المبرمجة للعمل وفق مجموعة معينة من القواعد، والقواعد النهائية هي قوانين الفيزياء.

فالإنسان الذي لا يعوقه عائق طبيعي عن القيام بفعل ما، هو حر وفق تعريف هوبز. غير أن للإنسان طبيعة مادية وحيوانية، وهو بالتالي لا يعدو أن يكون مجموعة من الاحتياجات و الغرائز والرغبات والعواطف تتفاعل فيما بينها بطريقة الية معقدة تحدد سلوك الفرد , فالإنسان الذي يشعر بالجوع والبرد ويسعى إلى إشباع احتياجاته الطبيعية إلى الغذاء والمأوى، ليس أكثر حرية من الدب أو حتى من الصخرة، هو مجرد الة أكثر تعقيدة تعمل وفق مجموعة من القواعد أكثر تعقيدة. أما عن كونه لا يصادف عائقا مادية في سعيه إلى الطعام و المأوى، فهو المظهر الخارجي للحرية دون الحرية الحقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت