والواقع أن كتاب و الوحش البحري المخيف، وهو الكتاب السياسي العظيم لتوماس هوبز، يبدأ بمثل هذا التصوير للإنسان باعتباره الة معقدة للغاية. وهو يحلل الطبيعة البشرية إلى سلسلة من الانفعالات الأساسية مثل الفرح، والألم، والخوف، والأمل، والغضب، والطموح، ويذهب إلى أن اختلاف تراكيبها كاف لتحديد وتفسير السلوك الإنساني كله. فهو بز إذن لا يعتقد في النهاية أن الإنسان حر بمعنى أن لديه القدرة على الاختيار الأخلاقي. قد يكون الإنسان عاقلا في سلوكه بدرجة ما، غير أن العقل هنا إنما يخدم غايات، كالحفاظ على الذات، هيأتها الطبيعة، و الطبيعة بدورها يمكن تفسيرها على ضوء قوانين حركة المادة التي كان سير إسحاق نيوتن قد شرحها في ذلك العصر.
أما هيجل فيبدأ من منطلق مختلف تمامأ في فهمه للإنسان. فالإنسان عنده لا تحدده طبيعته المادية والحيوانية فحسب، وإنما تنشأ إنسانيته عن قدرته على التغلب على هذه الطبيعة الحيوانية أو نفيها. وهو حر ليس فقط بالمفهوم الصوري عند هوبز حين لا يصادف عائقا ماديا، وإنما هو
حر بالمعنى الميتافيزيقي أيضأ إذ يأبى أن تشكله الطبيعة فسرة. وتشمل هذه الطبيعة طبيعة الإنسان، والبيئة الطبيعية حوله، وقوانين الطبيعة، فهو باختصار قادر على الاختيار الأخلاقي، أي الاختيار بين طريقين للسلوك، ليس فقط على أساس رجحان نفع أحدهما على نفع الأخر، وليس فقط على ضوء انتصار مجموعة من الانفعالات والغرائز على أخرى، وإنما بسبب ما يملكه من حرية أصيلة في وضع قواعد سلوكه بنفسه والالتزام بها، ولا تكمن كرامة الإنسان في قدرته المتفوقة على تقدير الظروف والتي تجعل منه الة أنكى من الحيوانات الدنيا، وإنما تكمن في هذه القدرة بالذات على الاختيار الأخلاقي الحر.
ولكن، كيف تتسنى لنا معرفة ما إذا كان الإنسان حوا بهذا المعنى الأعمق؟ إن الكثير من أمثلة الاختيار البشري هي في حقيقتها مجرد حسابات عقلية لمصالح ذاتية لا تخدم غير إشباع رغبات أو عواطف حيوانية. وعلى سبيل المثال فإن الإنسان قد يحجم عن سرقة تفاحة من بستان جاره لا عن وأعز أخلاقي وإنما لخوفه من أن تكون العقوبة أخطر شأنا من جوعه، أو لأنه يعلم أن جاره يعتزم السفر عن قريب فيصبح بإمكانه سرقة التفاحة بعد سفره. وتفكيره على هذا النحو لا يعني أنه أقل تكيفا بغرائزه الطبيعية - وهي الجوع في هذه الحالة - من الحيوان الذي يهجم على التفاحة فيأخذها.
إن هيجل لا ينكر أن للإنسان جانبه الحيواني، أو أن له طبيعة محدودة ومحددة المسار: بمعنى أن لابد له من الأكل والنوم. غير أنه قادر أيضا على التصرف في صور تتعارض تماما مع غزائزه الطبيعية، وتتعارض معها لا من أجل إشباع غريزة أعلى وأقوى، وإنما من أجل المعارضة في حد ذاتها، ولهذا السبب يلعب الاستعداد للمخاطرة بالحياة من أجل المنزلة الخالصة دورا مهما في حديث هيجل عن التاريخ، فالإنسان إذ يخاطر بحياته يثبت قدرته على التصرف تصرفا مخالفا لأقوى غرائزه وأهمها، وهي غريزة حفظ الذات. أو كما يقول كوجيف، على الرغبة البشرية عند الإنسان أن تتغلب على رغبته الحيوانية في الحفاظ على الذات. ولهذا فإنه