الصفحة 290 من 376

من المنطق يمكن للفرد أن يموت من أجل بلده ولا يحاول الفرار بماله وأسرته؟ فليبرالية هوبز ولوك لا تعطى - حتى في زمن السلام - سببا لتفضيل خيرة أبناء المجتمع للخدمة العامة وإدارة السياسية على حياة خاصة مكرسة لكسب المال. بل إنه ليس من الواضح كيف يمكن لإنسان لوك أن يؤدي دورة نشيطة في مجتمعه، ويتصدق على الفقراء، أو حتى أن يبذل التضحيات اللازمة لعائلته (1) .

ووراء التساؤل العملي عما إذا كان بالوسع إقامة مجتمع دائم يفتقر أفراده تمامأ إلى الإحساس بالمصلحة العامة، ثمة سؤال أهم هو ما إذا لم يكن الشخص غير القادر على أن يرى أبعد من مصالحه الذاتية الضيقة واحتياجاته المادية جديرة بالاحتقار العميق. وما السيد الأرستوقراطي عند هيجل الذي يخاطر بحياته في معركة من أجل المنزلة إلا المثال المتطرف للنزوع الإنساني إلى تجاوز الحاجة الطبيعية أو المادية البحتة. أليس من الممكن القول إن الصراع من أجل نيل الاعتراف والتقدير، يعكس تعبيرا عن التطلع إلى تجاوز الذات، ذلك أن التطلع الذي وإن كان أساس عنف الوضع البدائي ونظام الرق، فهو أيضا مصدر العواطف النبيلة مثل الوطنية والشجاعة والكرم والإحساس بالمصلحة العامة؟ أليست الرغبة في نيل الاعتراف والتقدير مرتبطة على نحو ما بالجانب الأخلاقي من طبيعة الإنسان الذي يجد الراحة في التضحية بالشواغل الضيقة للجسد من أجل هدف أو مبدأ خارج نطاق الجسد؟ إن هيجل بقبوله لوجهة نظر السيد على حساب وجهة نظر العبد، وبتصويره لصراع السيد وراء نيل الاعتراف والتقدير على أنه جوهر الإنسانية، إنما يهدف إلى تكريم بعد أخلاقي معين للحياة البشرية، والمحافظة على هذا البعد الذي نفتقده تماما في المجتمع كما صوره هوبز ولوك. وبعبارة أخرى فإن هيجل يرى في الإنسان كائنة أخلاقية ترتبط كرامته بتحرره من القيود المادية والطبيعية. هذا البعد الأخلاقي، والصراع من أجل الاعتراف به، هما المحركان للمسار الدياليكتيكي للتاريخ.

ولكن ما هي الصلة بين الصراع من أجل نيل الاعتراف والتقدير والمخاطرة بالحياة في معركة دموية بدائية، وبين الظواهر الأخلاقية الأكثر شيوعا عندنا؟ نحتاج من أجل الإجابة عن هذا السؤال إلى إلقاء نظرة أعمق على موضوع نيل الاعتراف والتقدير، وإلى بذل محاولة من أجل فهم ذلك الجانب من الشخصية الإنسانية الذي تنبثق منه تلك الحاجة إلى الاعتراف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت