والليبرالية في الجمهوريات الدستورية الأخرى المشابهة تشتراك في مفهومها عن هذه الحقوق باعتبارها مجالا من اختيارات الأفراد يخرج إلى حد بعيد عن سلطان الدولة.
ولاشك في أن الأمريكي الذي تربى على أفكار هوبز ولوك وجيفرسون و غيره من الآباء المؤسسين الأمريكيين سيرى في تعظيم هيجل للسيد الأرستوقراطي الذي يخاطر بحياته في معركة من أجل المنزلة مفهوما يعبر عن الثقافة الجرمانية و التيوتونية:. ولا يعني هذا أن آيا من هؤلاء المفكرين الأنجلوسكسونيين لم يعترف بصورة الإنسان الأول عند هيجل باعتباره نمطة إنسانية حقيقية، وإنما يعني أنهم نظروا إلى مشكلة السياسة باعتبارها جهدا من أجل إقناع الراغب في السيادة بأن يقبل حياة العيد في مجتمع لا طبقي من العبيد. ذلك أنهم كانوا لا يحفلون كثيرا - كما حفل هيجل - بذلك الرضا عن النفس المنبثق عن احترام الغير، خاصة إن قورن بالألم الناجم عن العلاقة بين السيد والعيد. بل إنهم كانوا يؤمنون بأن الخوف من القتل في حلبة الصراع والرغبة في الحياة وفي الراحة هما من القوة بحيث يجبان رغبة الإنسان في نيل الاعتراف والتقدير، وذلك في نظر أي إنسان عاقل يراعي مصالحه الخاصة، وفي هذا يكمن سر اعتراضنا الغريزي تقريبا على معركة هيجل من أجل المنزلة باعتبارها نظرية غير منطقية.
والواقع أن اختيار حياة العيد دون حياة السيد ليس بالأكثر منطقية إلا إن قبلنا المذهب الأنجلوسكسوني فرفعنا من قيمة الحفاظ على الذات فوق قيمة الاعتراف والتقدير. غير أن إعلاء هوبز ولوك لشأن القيمة الأخلاقية للحفاظ على الذات والراحة هو بالضبط ما يجعلنا غير راضين عن كتاباتيهما. أما المجتمعات الليبرالية، فهي باستثناء تحديدها للقواعد الخاصة بالحفاظ على الحياة على نحو متبادل، فإنها لا تحاول وضع أهداف إيجابية لمواطنيها أو الحث على أسلوب معين الحياة باعتباره الأرقي أو الأفضل. وعلى الفرد نفسه أن يوفر المحتوى الإيجابي لحياته. وهذا المحتوى الإيجابي قد يكون رفيعة كالخدمة العامة و الكرم، أو دنيئة كاللذة الأنانية والبخل. أما الدولة فلا تكترث بهذا الأمر، بل إن الحكومة ملزمة بالسماح بمختلف أساليب الحياة إلا إن كان في ممارسة حق معين اعتداء على حق اخر. وفي غياب الأهداف الإيجابية، العليا و يكون طلب الثراء في أغلب الأحيان هو الذي يملأ الفراغ في قلب الليبرالية وفق تعاليم لوك، خاصة بعد أن تخلصنا الأن من قيود الحاجة والندرة التي كانت تعرقل طلب الثراء (19) .
وتغدو مثالب المفهوم الليبرالي عن الإنسان أكثر وضوحا حين نتأمل النتاج النموذجي للمجتمع الليبرالى، وهو نوع جديد من البشر صار يطلق عليه من قبيل الاستهجان وصف و البورجوازي؛ وهو إنسان محدود الأفق بحيث لا يشغله غير بقائه الذاتي ورخائه المادي المباشرين، ولا يعنيه المجتمع حوله إلا بقدر خامنه لصالحه الشخصي. فإنسان لوك لم يكن ليأيه بالمسائل العامة، أو الوطن، أو مصلحة من حوله، والمجتمع الليبرالي، على حد وصف كانط، يمكن أن يكون أفراده شياطين، شرط أن يكونوا عقلانيين، ولم يكن واضحة كيف يمكن لمواطن الدولة الليبرالية - خاصة كما وصفه هوپز - أن يخدم في الجيش، ويخاطر بحياته في الحرب من أجل بلده. ذلك أنه إن كان الحق الطبيعي الرئيسي هو حفاظ الفرد على حياته، فعلى أي أساس