الصفحة 294 من 376

من الفلاسفة السياسيين رأوا أن المشكلة المحورية في السياسة هي ترويض الرغبة في الاعتراف بصورة تجعلها تخدم المجتمع السياسي ككل. وقد نجح مشروع ترويض الرغبة في الاعتراف بفضل الفلسفة السياسية الحديثة لدرجة أننا معشر مواطني الديموقراطيات الحديثة المؤمنة بالمساواة كثيرا ما تعمى عن رؤية الرغبة في الاعتراف في أنفسنا رؤية واضحة (2) .

وقد ورد أول تحليل مطول لظاهرة الرغبة في الاعتراف في المذهب الفلسفي الغربي في كتاب هو في قمة هذا المذهب، وأعني به د جمهورية أفلاطون،. وتسجل، الجمهورية، محادثة بين الفيلسوف سقراط و شابين أرستوقراطيين أثينيين، هما جلوكون وأديمانتوس الراغبين في وصف

طبيعة المدينة الفاضلة. فهذه المدينة الخيالية شأن مدن الواقع تحتاج إلى طبقة من الحراس أو المحاربين للدفاع عنها ضد العدو في الخارج. ويري سقراط أن الخاصية الرئيسية لهؤلاء الحراس هي الثيموس، وهي كلمة إغريقية تصعب ترجمتها وإن كنا سنترجمها إلى، الهمة والشجاعة , (2) . وهو يقارن الرجل الذي لديه تلك الثيموس بكلب نبيل تتوافر فيه الشجاعة العظيمة والغضب وهو يحارب الغرباء دفاعا عن مدينته. ويبدأ سقراط تناوله المشكلة بوصف هذه الثيموس من الخارج، فنحن لا نعلم إلا أنها مرتبطة بالشجاعة (أو الاستعداد للمخاطرة بالحياة) ، و بعاطفة الغضب أو الاستنفار من أجل الذات (4) .

ثم يعود سقراط إلى تحليل أدق للثيموس في الكتاب الرابع الذي يحوي تقسيمة الثلاثي الشهير للروح (2) . فهو يرى أن روح الإنسان بها قوة شهوانية قوامها عدة رغبات مختلفة، أبرزها الجوع والعطش. وتشترك هذه الرغبات جميعا في حفزها الإنسان على نيل شيء خارجه، کالطعام أو الشراب. غير أن ثمة أحيانا يمتنع فيها المرء عن الشراب حتى و هو عطشان. ويتفق سقراط مع أديمانتوس على أن للروح جانبا مستقلا هو التعقل والاعتبار، فقد يدفع الإنسان إلى التصرف عكس ما تمليه رغبته، كامتناع العطشان عن الشرب حين يعلم أن الماء ملوث. فهل الرغبة والعقل إذن هما الجزءان الوحيدان من الروح الكافيان لتفسير السلوك البشري؟ هل بوسع المرء مثلا أن يفسر كل حالات كبح الذات على أنها محاربة العقل للرغبة برغبة أخرى، كمحاربة الشهوة بالجشع، واللذة قصيرة الأمد بالأمن طويل الأمد؟

ترى أديمانتوس على استعداد للموافقة على أن الثيموس هي في حقيقتها مجرد نوع من الرغبة. غير أن سقراط يقص هنا قصة رجل يدعى ليونتيوس بريد إلقاء نظرة على كوم من الجثث عند قدمى الجلاد:

و أراد النظر، غير أنه في نفس الوقت أحس بالاشمئزاز فأدار وجهه. جاهد نفسه بعض الوقت وغطى وجهه براحتيه، وأخيرا، وبعد أن تمكنت منه الرغبة، فتح عينيه و عدا نحو الجثث قائلا: نظرا أيتها العينان الملعونتان وحملقا ما شئتما في هذا المنظر الجميل! (9) .

ويمكن تفسير الصراع الداخلي عند ليونتيوس بأنه مجرد صراع بين رغبتين: الرغبة في النظر إلى الجثث، والاشمئزاز الطبيعي من النظر إلى جثة هامدة. ويتفق هذا مع نظرية هوبز الميكانيكية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت