الصفحة 296 من 376

إلى حد ما عن النفس حيث يفسر الإرادة على أنها مجرد، آخر اشتهاء للتروي و، أي انتصار أقوى الرغبات و أشدها إلحاحأ. غير أن تفسير سلوك ليونتيوس بأنه لا يعدو يكون أكثر من صدام بين رغبتين، لا يفسر غضبه من نفسه (7) . ذلك أنه ما كان ليسخط لو أنه نجح في كبح جماح ذاته، بل كان سيشعر شعورا مختلفة سعيدة هو الفخرا). ولو تأملنا قليلا لوجدنا أن سخط ليونتيوس لم ينجم لا عن الجزء الراغب من الروح ولا عن جزئها المتعقل، حيث أن ليونتيوس لم يكن بغير المكترث لنتيجة الصراع الداخلي عنده، ولذا فمن المحتم أن يكون السخط ناجمة عن جزء ثالث مختلف تماما، هو ما يسميه سقراط الثيموس. وهذا السخط النابع من الثيموس هو عند سقراط حليف العقل في محاولة قمع الرغبات الخاطئة أو الحمقاء، غير أنه متمايز عن العقل.

وتبدو الثيموس في كتاب و الجمهورية، ذات علاقة بتقييم المرء لنفسه، أو ما نسميه اليوم و تقدير الذات .. لقد كان ليونتيوس يحسب نفسه نموذجا للإنسان الوقور المتحكم في ذاته، وحين وجد أن مسلكه لا يتفق مع تقديره لذاته، سخط على نفسه وغضب. ويرى سقراط علاقة بين الغضب و و تقدير الذات و، بدليل أنه كلما كان الرجل أكثر نبلا، أي أكثر إعلاء في تقديره لقيمته، زاد غضبه حين يعامل معاملة غير عادلة. عندئذ: يغلى دمه، ويقسو طبعه، ويدخل في تحالف مع ما يبدو له أنه العدل، استعدادا لخوض معركة، حتى لو أنه عانى من الجوع والبرد وما يماثلهما .. (1) , فالثيموس أشبه بحس إنساني فطرى بالعدالة، والمرء يؤمن بأن لنفسه قيمة، وحين يتصرف الآخرون على أساس أن قيمته أقل مما يظن ولا يقدرونه حق قدره، يعتريه الغضب، ويمكننا أن نتبين العلاقة الوثيقة بين تقدير الذات والغضب في الكلمة الانجليزية المرادفة اللغضب anger وهي indignation التي توحي بامتهان الكرامة dignity . كذلك فإنه حين يلاحظ الآخرون أن مسلكنا لا يتفق مع احترامنا لذاتنا، نشعر بالخجل، وحين يقيمنا الناس التقييم الحق (أي المتناسب مع قيمتنا الحقيقية) نشعر بالفخر.

إن الغضب عاطفة بالغة القوة من حيث إمكاناتها الكامنة، وقادرة - على حد تعبير سقراط - على الهيمنة على غرائز طبيعية مثل الجوع، والعطش، وحب البقاء. غير أنها ليست شهوة تنشد شيئا مادية خارج الذات، فإن جاز لنا أن نعتبرها رغبة على الإطلاق، فهي رغبة في رغبة، أي الرغبة في جعل الشخص الذي حط من قدرنا يغير رأيه ويعترف بنا وفق تقييمنا نحن لذاتنا. ومن ثم فإن الثيموس عند أفلاطون لا تعدو إذن أن تكون المصدر النفسي للرغبة في الاعتراف

عند هيجل، ذلك أن السيد الأرستوقراطي في معركته الدامية تحدوه الرغبة في أن يقيمه الآخرون تقييمه لنفسه، وهو لا يخوض معركة دامية إلا إن سخر آخرون من إحساسه بقدره، وتختلف الثيموس عن الرغبة في الاعتراف في كون الأولى تشير إلى جانب من الروح يضفى القيمة على الأشياء، في حين أن الثانية نشاط صادر عن الثيموس ومطلبه أن يشاركه وعي الأخر نفس التقييم اللذات، ومن الممكن أن يشعر المرء بالفخر الصادر عن الثيموس دون أن يطالب بالاعتراف.

غير أن التقدير ليس، شيئأ، كالتفاحة أو البورش،، وإنما هو حالة خاصة بالوعي لابد من أن يعترف بها وعى آخر حتى تتيقن من إحساسنا بقيمتنا، ولذا فإن الثيموس تحفز الإنسان إلى السعي وراء الاعتراف ولو لم يكن ذلك حتما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت