الصفحة 298 من 376

ولننظر الآن في مثل صغير ولكنه ذو دلالة، يوضح لنا معنى الثيموس في العالم المعاصر. لقد قضى فاكلاف هافيل قبل أن يصبح رئيسا لجمهورية تشيكوسلوفاكيا في خريف عام 1989 سنوات طويلة في السجن بسبب نشاطه في المعارضة واشتراكه في تأسيس منظمة (ميثاق 77 و المعنية بحقوق الإنسان، ولاشك في أن إقامته في السجن وفرت له الوقت الكافي للتفكير في النظام الذي سجنه وفي طبيعة ما يمثله النظام من شر، وفي مقال لهافيل بعنوان و قوة الضعفاء و نشر في أوائل الثمانينيات قبل أن تصبح الثورات الديموقراطية في أوروبا الشرقية واضحة في عين جورباتشوف، يروي لنا القصة التالية عن بائع خضراوات:

وها هو مدير منجر فاكهة وخضراوات يعلق بين البصل والجزر في الفاتريئة شعار، يا عمال العالم، اتحدوا! و لماذا يصنع ذلك؟ ما الذي يحاول أن يقوله العالم؟ هل هو حقا متحمس لفكرة الاتحاد بين عمال العالم؟ هل حماسته عظيمة لدرجة أن يشعر بدافع لا يقاوم إلى تعريف الجمهور يمثله العليا؟ هل فكر لأكثر من لحظة في كيفية تحقيق هذا الاتحاد ومغزاه؟ ...

و الواضح أن بائع الخضراوات غير مكترث بالمضمون الفكري للشعار المعروض. وهو لا يضع الشعار في الفاترينة عن رغبة شخصية في إطلاع الجمهور على المثل العليا التي يعبر عنها الشعار. ولا يعني هذا بطبيعة الحال أن فعلته هذه خالية تماما من الحافز أو المغزي، أو أن الشعار لا يوحي بشيء إلى أحد. فالشعار هو فعلا علامة، وهو علامة تحوى رسالة لاشعورية ولكنها محددة جدأ، ويمكن التعبير عنها على النحو التالي: و أنا، بائع الخضراوات فلان، أعيش هنا، وأعرف ما ينبغي أن أصنعه، وأسلك السلوك المنتظر مني، ويمكن الاعتماد على، ولا عيب في. أنا مطيع ومن حقى إذن أن أترك في سلام،، والرسالة بطبيعة الحال تخاطب جهة ما. هي موجهة إلى أعلى، إلى رئيس بائع الخضراوات، وهي في نفس الوقت درع تحمي البائع من الدساسين، ولذا فإن المعنى الحقيقي للشعار عميق الجذور في حياة البائع، ويعكس مصالحه الحيوية. ولكن، ما هي هذه المصالح الحيوية؟

ولنلحظ أنه لو كانت التعليمات قد صدرت إلى البائع بوضع شعار في الفاترينة يقول: و أنا خائف، ولذا فأنا مطيع بدون شك،، فلن يكون البائع على هذه الدرجة من عدم الاكتراث بالمعنى، حتى وإن كانت الجملة توضح الحقيقة، سيرتبك البائع عندئذ ويخجل من نفسه إذ يضع في فاترينة المتجر مثل هذا الشعار الصريح المعبر عن مذلته. وهو أمر طبيعي بالنظر إلى أنه إنسان ولديه بالتالي إحساس بكرامته، ولكي يتغلب على هذه الصعوبة، يجب أن يأخذ تعبيره عن ولائه صورة شعار يوضح - ولو ظاهريا فقط - قدرة من الاعتقاد المخلص، مما يسمح للبائع بأن يقول: وما الضرر في أن يتحد عمال العالم؟، وهكذا تساعد، اليافطة البائع على أن يخفي عن نفسه الأسس الوضيعة لطاعته، وهي تخفي في الوقت ذاته الأسس الوضيعة للسلطة. هي تخفي هذه الأسس وتلك وراء واجهة سامية الدلالة، وهي الأيديولوجيا , (10) .

حين تقرأ هذه الفقرة يلفت نظرنا على الفور استخدام هافيل الكلمة والكرامة .. ويصور هافيل بائع الخضراوات على أنه رجل عادي ليس على قدر كبير من التعليم أو الأهمية، ولكنه سيشعر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت