الصفحة 302 من 376

إلى المحاكمة. وقد حاولت الأنظمة الفاسدة في مرحلة ما بعد الشمولية في عهد بريجنيف أن تجعل الكافة متواطنين لا عن طريق الإرهاب، ولكن، للغرابة الشديدة، عن طريق التلويح أمامهم بثمار الحضارة الاستهلاكية الحديثة، ولم تكن هذه بالمغريات المثيرة التي أشعلت جشع صاحب بنك الاستثمار الأمريكي في الثمانينيات من هذا القرن، و إنما كانت أشياء صغيرة كثلاجة كهربائية، أو شقة أوسع، أو إجازة في بلغاريا، وكلها مما يستهوي شعوبة لا تملك غير القليل من الأشياء المادية ... ولذا فإن الشيوعية تعزز قوة الشهوة في النفس على حساب الثيموس أكثر مما تعززها الليبرالية البورجوازية. وما اتهام هافيل للشيوعية لأنها لم تنجز وعدها بتحقيق الوفرة المادية الناجمة عن الكفاءة الصناعية، أو لأنها خيبت آمال الطبقة العاملة ولم تحقق حياة أفضل للفقراء، بل لأنها - على العكس من ذلك - تعرض هذه الأشياء في مساومة شبيهة بقصة فاوست، وتطلب في مقابل ذلك التضحية بالقيمة الأخلاقية. وقد أصبح ضحايا هذا النظام بإبرامهم لهذه الصفقة معضدين لاستمرار النظام الذي أصبحت له بدوره حياة مستقلة عن رغبة أي شخص في المشاركة فيه.

ومن المؤكد أن ما يصفه هافيل بالعزوف العام لدى المهتمين أساسا بالاستهلاك عن التضحية ببعض العاديات المتيقن منها في سبيل نزاهتهم الروحية والأخلاقية، هو ظاهرة لا تنفرد بها المجتمعات الشيوعية. فالروح الاستهلاكية في الغرب تدفع الناس يومية إلى التنازل عن قيم أخلاقية، وهم يكذبون على أنفسهم لا باسم الاشتراكية وإنما باسم أفكار مثل، تحقيق الذات، أو، نمو الشخصية). غير أن ثمة فارقة مهمة: ففي المجتمعات الشيوعية من الصعب أن يحيا الإنسان حياة طبيعية، بل ويكاد يكون من المستحيل أن تكون هذه الحياة ناجحة دون قمع الثيموس لدى المرء لدرجة كبيرة أو صغيرة. فليس بوسع المرء أن يكون مجرد نجار أو كهربائي أو طبيب عادي دون أن يجاري النظام بطريقة ما، شأن بائع الخضراوات، كما أنه من المؤكد أنه ليس بوسعه أن يصبح كاتبة أو أستاذا أو مراسلا تليفزيونية ناجحة ما لم يورط نفسه كلية في أكاذيب النظام (13) . فإن كان الشخص أمينة نظيفة بدرجة كبيرة و أراد الاحتفاظ بإحساسه بقدره الداخلي، فثمة بديل واحد فحسب (على افتراض أن هذا الشخص ليس من الفئة الصغيرة المتناقصة تدريجية من أولئك الذين لا يزالون مؤمنين في إخلاص بأيديولوجيا الماركسية اللينينية) ، هذا البديل هو الخروج على النظام كلية، والتحول إلى احتراف المعارضة، ضمن جناح المنشقين كما فعل فلاديمير بوکوفسکي، وأندريه ساخاروف، وألكسندر سولجينيتسين، أو هافيل نفسه. غير أن هذا يعني التحرر تماما من الجانب الراغب في هذه الحياة، والتضحية بامتيازات مادية بسيطة مثل الوظيفة والشقة، واختيار حياة التقشف في السجن أو المنفى أو مصحة للأمراض العقلية. أما بالنسبة لغالبية الناس الذين لا يتمتعون بمثل هذا القدر من الثيموس، فإن الحياة العادية تعنى قبول المذلة الروحية يوما تلو يوم.

إننا لنرى في قصة ليونتيوس في أفلاطون، وقصة بائع الخضراوات عند ماقبل، (أي في بداية ونهاية الفلسفة السياسية الغربية التقليدية) صورة متواضعة للثيموس وهي في طريقها إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت