: ويفسر المؤرخون بعد ذلك هذه الأمور، باعتبارها أسباية ثانوية أو مباشرة، وهو تفسير سليم. غير أنه تفسير لا يقلل من أهمية دورها في إثارة سلسلة الأحداث التي أشعلت الثورة في نهاية الأمر. فالمواقف الثورية لا يمكن أن تنشأ دون أن يكون لدى بعض الناس، على الأقل، استعدادا للمخاطرة بحياتهم وبراحتهم من أجل قضية. ولا يمكن أن تتبع الشجاعة اللازمة لتحقيق ذلك عن القوة الشهوانية في النفس، وإنما عن الثيموس. ذلك أن الإنسان الخاضع للرغبة، أو الإنسان الاقتصادي، أو البورجوازي القح، يميل إلى التفكير في الحسابات، في التكاليف والأرباح، وهو ما يدفعه دائما إلى العمل داخل النظام .. أما الإنسان الثيموسي، الإنسان المدفوع بالقوة الغضبية فهو الذي يغار على كرامته وكرامة سائر المواطنين، الإنسان الذي يشعر بأن قيمته تحددها أمور هي أكثر من مجرد مجموعة من الرغبات تشكل كيانه المادي، فهو وحده الذي نراه على استعداد للوقوف في وجه دبابة أو في مواجهة صف من الجنود. وكثيرا ما نلاحظ أنه لولا مثل هذه التصرفات الشجاعة الصغيرة التي أثارتها أفعال ظالمة صغيرة، لما تحققت أبدا تلك السلسلة الأكبر من الأحداث المؤدية إلى تغييرات أساسية في البناءين السياسي والاقتصادي.