الصفحة 324 من 376

والأهم من ذلك أنه ما من سبب يدفع إلى الاعتقاد بأن كل الناس سيقيمون أنفسهم باعتبارهم امتساوين، مع غيرهم. بل قد يسعون إلى نيل الاعتراف بأنهم أرني من غيرهم، ربما على أساس من قيمة باطنية حقيقية، أو أن يكون ذلك، وهو الأرجع، نتيجة زهو وتقييم مبالغ فيه للنفس، وسنطلق من الآن فصاعدة على الرغبة في نيل الاعتراف بالتفوق على الآخرين كلمة جديدة لها أصل إغريقي، هي ميجالوثيميا، أو تضخم الذات. وتظهر الميجالوثيميا لدى الطاغية الذي يغزو شعبة مجاورة ويستعبده حتى يعترف بسلطنه، وكذلك لدي عازف البيانو في حفل موسيقي يريد أن يعترف به كأفضل عازف الموسيقى بيتهوفن. أما عكس الميجالوثيميا فهى الإيسوئيميا، أو التعادلية، وهي رغبة الإنسان في أن يعترف به مساوية للأخرين. وتشكل الميجالوثيميا والإيسوثيميا معا مظهرى الرغبة في الاعتراف التي يمكن على هديها فهم التحول التاريخي إلى الحداثة.

والواضح أن الميجالوثيميا عاطفة تثير مشاكل جمة في الحياة السياسية، حيث إنه وإن كان الاعتراف بتفوق المرء على غيره مرضية للأول، فلاشك أن اعتراف الكافة بتفوقه سيكون أكثر إرضاء له. وعلى ذلك فإن بإمكان الثيموس، التي بدت أول ما بدت في صورة نوع متواضع من احترام الذات، أن تبدو أيضا في صورة الرغبة في الهيمنة على الآخرين، وقد كان هذا الجانب المظلم من الثيموس واضحا منذ البداية في وصف هيجل للمعركة الدموية، حيث إن الرغبة في الاعتراف هي التي أثارت المعركة البدائية ثم أدت في النهاية إلى هيمنة السيد على العيد. ويؤدي منطق الاعتراف في خاتمة المطاف إلى الرغبة في نيل اعتراف الكافة، أي إلى الإمبريالية.

والثيموس، سواء في صورتها المتواضعة المتمثلة في إحساس بائع الخضراوات بكرامته، أو في صورتها الميجالوثيميا المتمثلة في الطموح الاستبدادي لدي قيصر أو ستالين، كانت موضوعا محورية في الفلسفة السياسية الغربية، مع اختلاف الأسماء التي أطلقها المفكرون على هذه الظاهرة. والواقع أن كل من فكر على نحو جدي في السياسة ومشكلات النظام السياسي العادل، وجد نفسه مضطرة إلى التصدي لأوجه الغموض الأخلاقية المتعلقة بالثيموس، محاولا استغلال نواحيها الإيجابية، والعثور على وسيلة لتحييد جانبها المظلم.

فأما سقراط فيدخل في نقاش طويل في الجمهورية حول الثيموس حيث أن الجزء الثيموسي من الروح هو بالغ الأهمية في بناء مدينته الفاضلة (3) . هذه المدينة - كغيرها من المدن - لها أعداء أجانب، وتحتاج إلى الدفاع عنها ضد الهجوم الخارجي. وبالتالي فهي في حاجة إلى طبقة من الحراس الشجعان ذوى الحمية العامة، والاستعداد للتضحية بالرغبات والاحتياجات المادية في سبيل الصالح العام، ولا يعتقد سقراط في إمكان توافر الشجاعة والحمية العامة في إنسان يحكمه الصالح الشخصي المستنير، وإنما يرى وجوب تأسيس هاتين الفضيلتين على الثيموس، والثقة العادلة لدى الحراس في أنفسهم وفي مدينتهم، وغضبهم الكامن اللاعقلاني ضد كل من يهددها (4) . فالثيموس إذن هي عند سقراط فضيلة سياسية فطرية لازمة لحماية وبقاء أية جماعة سياسية حيث إنها الأصل في تحويل الفرد عن حياة الشهوة الأنانية إلى مراعاة الصالح العام. غير أن سقراط

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت