الصفحة 342 من 376

الإنسانية إنسان آخر له قيمة وكرامة، فإذا هو وقد كسب المعركة من أجل المنزلة، يكتشف أن الذي اعترف به قد أضحى عبدا لم تكتمل إنسانيته لأنه استسلم للخوف الطبيعي من الموت، وبذا تكون قيمة السيد قد اعترف بها شخص لا يتمتع بأدمية كاملة (4) .

ويتفق هذا مع تجربتنا المألوفة في مجال الاعتراف. فنحن نقدر المديح أو الاعتراف بقيمتنا تقديرا أعلى إن هو صدر عن شخص نحترمه ونثق في حكمه، وبالأخص حين يأتي المديح طواعية

لا عن فهر، فإن كان كلبنا المدلل، يعترف، بنا حين يهز ذيله محيية حين تعود إلى البيت، إلا أنه يعترف بالجميع أيضأ وبنفس الصورة (ساعي البريد أو اللص) ، لأنه مكيف غريزية لصنع ذلك. فإن أردنا مثلا سياسية قلنا إن رضا ستالين أو صدام حسين عن هتاف الجماهير له، وهو يعلم أنهم قد جيء بهم إلى الساحة في سيارات عامة، وأجبروا على الهتاف وإلا عوقبوا بالموت، هو بالضرورة أقل من رضا زعيم ديموقراطي مثل واشنطون أو لينكولن حين يقابله شعب حر باحترام حقيقي.

فهنا إذن تكمن مأساة السيد. إنه يخاطر بحياته من أجل نيل اعتراف عبد ليس أهلا للاعتراف به، فيبقى السيد على امتعاضه. كذلك فإن السيد يبقى على مر الزمان دون تغيير جذرى، فهو ليس في حاجة إلى العمل لأن لديه عبدة يعمل نيابة عنه، ويمكنه بسهولة أن يحصل على كافة الأشياء اللازمة لحياته. ولذا فإن حياته تبقى ساكنة ودون تغيير، قوامها الفراغ والاستهلاك. قد يقتل السيد، على حد قول كوجيف، غير أنه لن يتعلم أبدأ. صحيح أن بوسعه أن يخاطر بحياته المرة تلو المرة في صراعات حتى الموت مع سادة آخرين من أجل السيطرة على إقليم، أو وراثة عرش. غير أن المخاطرة بالحياة، رغم جوهرها الإنساني، هي ذاتها مهما تكررت، وليس بوسع الغزو المستمر وإعادة فتح الأقاليم أن يغيرا من علاقة الإنسان الكيفية بغيره أو ببيئته الطبيعية، ومن ثم فإنهما ليسا بالمحركين لمسار التقدم التاريخي.

والعبد بدوره غير راض. غير أن سخطه لا يؤدي إلى جمود قاتل كما في حالة السيد، وإنما إلى تغير خلاق مثر. إنه بإذعانه للسيد لن ينال الاعتراف به كائنا إنسانية، بل سيعامل وكأنه شيء وأداة لإشباع احتياجات السيد. فالاعتراف هنا هو من جانب واحد. غير أن هذا الافتقار التام إلى الاعتراف هو ما يخلق لدى العبد الرغبة في التغيير.

وعن طريق، العمل، يستعيد العبد إنسانيته التي فقدها نتيجة خوفه من القتل (ه) . ففي باديء الأمر كان العبد مجبرة على العمل من أجل إشباع حاجات السيد بسبب خوفه من الموت، غير أن الحافز على العمل عنده يتغير بمضي الوقت .. فبدلا من العمل خشية العقاب الفوري، يشرع في أدائه من قبيل الإحساس بالواجب وترويض النفس. فيتعلم خلال ذلك قمع الرغبات الحيوانية في سبيل العمل (9) . وبعبارة أخرى ينمو عنده ما يشبه أخلاقيات العمل، والأهم من ذلك أن العبد من خلال العمل يبدأ في إدراك أنه ككائن بشري يستطيع تغيير الطبيعة، أي أن يأخذ من الطبيعة موادها ويحولها كما يهوى إلى أشياء أخرى وفق قكرة مسبقة أو مفهوم مسبق، والعبد يستخدم الأدوات، وبوسعه استخدام الأدوات في صنع أدوات أخرى، وبذا يخترع التكنولوجيا، فالعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت