الصفحة 344 من 376

الطبيعي الحديث ليس من اختراع السادة الذين يتوافر لديهم كل ما يشتهون، وإنما هو من اختراع العبيد المضطرين إلى العمل والساخطين على وضعهم الراهن. ويكتشف العبد بفضل العلم والتكنولوجيا أنه يستطيع تغيير الطبيعة، لا البيئة الطبيعية التي ولد فيها فحسب، وإنما طبيعته هو أيضا (7) .

ويرى هيجل (عکس لوك) أن العمل قد تحرر تماما من ربقة الطبيعة. وليس الغرض من العمل مجرد إشباع الاحتياجات المادية، ولا حتى الرغبات المبتدعة، وإنما يمثل العمل الحرية بإيصاحه قدرة الإنسان على التغلب على الجبرية الطبيعية، وأن يخلق الأشياء بعمله. فليس ثمة

عمل من إملاء الطبيعة، وإنما بدأ العمل الإنساني الحق بعد أن أثبت الإنسان هيمنته على الطبيعة. كذلك فقد كان لدي هيجل مفهوم عن معنى الملكية الخاصة مختلف عن مفهوم لوك. فالإنسان عند لوك يمتلك الأشياء ليشبع رغباته. أما عند هيجل فالإنسان يرى في ممتلكاته نوعا من، التشيز و لنفسه في أشياء مثل الدار والسيارة وقطعة الأرض. وليست الملكية خاصية لصيقة بالاشياء، وإنما هي مجرد تقليد اجتماعي حين يتفق الناس على أن يحترم كل منهم حق الأخر في الملكية. والرضا الذي يستمده الشخص من الملكية لا ينجم فقط عن إشباع الأحتياجات، وإنما أيضا عن اعتراف الآخرين بها. ويرى هيجل أن حماية الملكية الخاصة هي هدف مشروع للمجتمع المدني، وهو ما ارتاه أيضا كل من لوك وماديسون. غير أن هيجل يرى في الملكية مرحلة أو مظهرا للصراع التاريخي من أجل الاعتراف الذي يرضى الثيموس ويشبع الرغبة في آن واحد (4) .

ان السيد يثبت حريته حين يغامر بحياته في معركة دامية، فيوضح تفوقه وتغلبه على مقتضيات الطبيعة، أما العبد فعلى العكس، إذ يدرك و فكرة الحرية من خلال عمله في خدمة سيده حين يتبين أنه، ككائن بشري، قادر على العمل الخلاق الحر. وسيطرة العبد على الطبيعة هي المفتاح لفهمه لفكرة السيادة. والواقع أن الحرية المحتملة للعبد هي أهم تاريخية بكثير من الحرية الفعلية التي يتمتع بها السيد. إن السيد حر، ويستمتع بحريته بشكل مباشر وتلقائي إذ يصنع ما يشاء ويستهلك ما يريد، أما العيد فبوسعه فقط أن يدرك و فكرة و الحرية، وهي فكرة تخطر بباله نتيجة العمله. غير أن العبد ليس حرة في حياته، وثمة تفاوت بين فكرته عن الحرية وحالته الواقعة. فهو إذن أكثر تفلسفة، حيث إن عليه أن يفكر في الحرية بمعناها النظرى قبل أن يستمتع بها عملا، وعليه أن يخترع بنفسه مبادئ المجتمع الحر قبل أن يعيش فيه، ولذا فإن وعى العبد أسمى من وعي السيد، لأنه أكثر إحساسأ بنفسه وأكثر تفكيرة فيها وإدراكا لوضعه.

ولم تخطر مبادئ الحرية والمساواة في عام 1774 أو عام 1789 بأذهان العبيد بصورة تلقائية. فالعبد لا يبدأ يتحدى سيده، وإنما يمر بعملية طويلة عسيرة من تعليم الذات، فيتعلم التغلب على خوفه من الموت، والمطالبة بالحرية التي هي من حقه. وإذ يفكر العبد في حالته وفي المفهوم الحرب الحرية، بطرح صورة عديدة مبدئية عن الحرية قبل أن يتبني الصورة الحقيقية. هذه الصور المبدئية يسميها هيجل وماركس بالأيديولوجيات، أي الصور الذهنية غير السليمة في حذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت