ذاتها والمعبرة مع ذلك عن البنية الأساسية للحقيقة، وهي حقيقة السيادة والعبودية. ورغم أنها تحوي بذور فكرة الحرية فهي تحقق مصالحة بين العبد وواقع افتقاره إلى الحرية. ويشير هيجل في كتابه (فينومينولوجيا العقل، إلى عدد من أيدلوجيات العبيد هذه، بما في ذلك فلسفات كالرواقية ومدرسة الشك(الكلبية) . غير أن أهم أيديولوجيات العبيد، وهي التي تؤدي مباشرة إلى إقامة المجتمعات على أساس الحرية والمساواة في الأرض، هي المسيحية، و الدين المطلق ..
وحين يتحدث هيجل عن المسيحية باعتبارها، الدين المطلق، فحديثه لا ينم عن محورية عنصرية تتمحور حول الذات وضيقة الأفق، وإنما يصدر عن مراعاة للعلاقة التاريخية الموضوعية القائمة بين العقيدة المسيحية وظهور المجتمعات الديموقراطية الليبرالية في أوروبا الغربية، وهي علاقة أقر بها عدد لا يحصى من المفكرين التالين من أمثال فيبر ونيتشه، فقد حددت المسيحية الصورة النهائية لفكرة الحرية، لأن هذا الدين - في رأي هيجل - هو أول ما أرسي دعائم مبدأ المساواة العامة بين كافة البشر في عين الله، على أساس عقيدتهم واختيارهم الأخلاقي. وبعبارة أخرى فإن المسيحية ترى الإنسان حرأ، وهو حر لا بمفهوم هوبز الشكلي عن التحرر من القيود المادية، وإنما هو حر معنوية في اختياره بين الحق والباطل. صحيح أن الإنسان حيوان عار فقير يعيش في الخطيئة، غير أنه قادر كذلك على تجديد روحه بفضل قدرته على الاختيار والاعتقاد. والحرية المسيحية هي حالة داخلية من أحوال النفس، وليست بالحالة الظاهرية للجسد. وما الإحساس الثيموسي بقيمة الذات لدي ليونتيوس في حواره مع سقراط، وبائع الخضراوات عند هافيل إلا مشابه للكرامة الداخلية والحرية لدى المؤمن المسيحي.
ويعني المفهوم المسيحي عن الحرية، المساواة العامة بين البشر، ولكن لأسباب تختلف عن الأسباب التي أوردها المفكرون الليبراليون المتأثرون بهوبز ولوك. ويؤكد إعلان الاستقلال الأمريكي أن، كل الناس خلقوا متساوين،، ربما لأن خالقهم منحهم حقوقة معينة أصيلة لا يجوز التصرف فيها، وقد أقام هوبز ولوك اعتقادهما بمساواة البشر على أساس فكرة تساوي الملكات الطبيعية، فذهب هوبز إلى أن الناس متساوون لتكافؤ قدرتهم على أن يقتل بعضهم بعضا، في حين ذهب لوك إلى أنهم متساوون في الملكات، وإن كان يرى أن الأطفال غير متساوين مع آبائهم، ويتفق مع ماديسون على أن ملكة تكوين الثروات تختلف من شخص إلى آخر. فالمساواة إذن في الدولة الآخذة بمذهب لوك تعني المساواة في القرص.
أما المساواة المسيحية فأساسها فكرة أن الناس جميعا متساوون في تمنعهم بملكة واحدة معينة، هي ملكة الاختيار الأخلاقي (1) . فالكافة قادرون على قبول أو رفض فكرة الله، وصنع الخير أو الشر. ويمثل المفهوم المسيحي للمساواة خطبة الدكتور مارتن لوثر كينج الشهيرة بعنوان و أحلامي، والتي ألقاها على سلم نصب لينكولن التذكاري سنة 1964، وقد وردت فيها جملة شهيرة يقول فيها إنه يحلم بأن يعيش أطفال الصغار الأربعة و في مجتمع لا يحكم الناس فيه عليهم وفق لون بشرتهم وإنما على أساس مضمون شخصياتهم .. ونلاحظ أن كينج لم يقل إنه من الواجب أن تكون مواهبهم أو جدارتهم معيار الحكم عليهم، ولم يقل إنه يريدهم أن برتقوا إلى المستوى