الذي تهيئه لهم قدراتهم. فالكرامة الإنسانية عند كينج (وهو القسيم المسيحي) ليست في عقل الإنسان أو ذكائه، بل في شخصيته، أي شخصيته الأخلاقية وقدرته على التمييز بين الحق والباطل. فإن اختلف الناس ولم يتساووا في مضمار الجمال، أو الموهبة، أو الذكاء، أو المهارة، فهم متساوون في كونهم كائنات أخلاقية. ويمكن أن يكون لأقبح اليتامى صورة وأثقلهم حركة، روح هي عند الله أجمل من روح أكثر عازفي البيانو موهبة أو ألمع علماء الطبيعة.
فمساهمة المسيحية إذن في المسار التاريخي تتمثل في إيضاحها للعبد، هذه الصورة للحرية الإنسانية، وتعريفه بمعنى الكرامة لدى كافة البشر. فالإله المسيحي يعترف بكافة البشر، وفي كل مكان، ويعترف بقدرهم وكرامتهم الإنسانيتين. وبعبارة أخرى، فإن ملكوت السماء يتيح الفرصة لإشباع الأيسوثيميا لدى كل إنسان، وليس لإشباع الميجالوثيميا لدي الفخورين ذوى الخيلاء.
غير أن مشكلة المسيحية هي في أنها مجرد أيديولوجيا أخرى للعبيد، أي أنها تخالف الصواب في جوانب حيوية معينة. فهي ترى أن تحقيق الحرية الإنسانية لن يتم هنا على الأرض، وإنما في ملكوت السماء. وبعبارة أخرى فإن المسيحية قد فهمت الحرية فهما صحيحة، غير أنها انتهت بدعوة العبيد في عالمنا إلى تقبل عبوديتهم بإخبارها إياهم ألا يتوقعوا تحريرهم في هذه الحياة الدنيا. ويذهب هيجل إلى أن المسيحي لم يدرك أن الله لم يخلق الإنسان وإنما الإنسان هو الذي خلق الله من قبيل إسقاط فكرة الحرية عليه. ذلك أننا نرى في الإله المسيحي السيد الكامل؛ سيد الإنسان و الطبيعة. غير أن المسيحي انتقل بعد ذلك إلى أن جعل من نفسه عبدا لهذا الإله الذي خلقه الإنسان نفسه، وتقبل حياة العبودية على الأرض معتقدا أن الله سيعتقه فيما بعد، في حين أن بمقدوره أن يحرر نفسه بنفسه، فالمسيحية إذن هي صورة من صور الاغتراب، أي صورة جديدة للعبودية يجعل الإنسان نفسه بمقتضاها عبدا لشيء من خلقه هو فيصبح منقسمأ على نفسه.
لقد قدمت المسيحية - وهي آخر أيديولوجيات العبيد العظيمة - للعبد مثالا لما ينبغي أن تكون عليه الحرية الإنسانية، ورغم أنها لم توضح له طريقة عملية للخروج من عبوديته، فقد أتاحت له فرصة أن بري هدفه رؤية أوضح: وهو أن يكون فردأ حرة قائمة بذاته، معترفا بحريته وكيانه المستقل من قبل العالم كله وكافة البشر، وقد تمكن العبد بفضل عمله من أن يحرر نفسيه من قيود كثيرة، فقد سيطر على الطبيعة، وغيرها وفق مفاهيمه، ثم أدرك واعية إمكان تحقيق حريته. وإتمام المسار التاريخي لا يتطلب عند هيجل أكثر من تحويل المسيحية إلى مذهب دنيوي، أي ترجمة المفهوم المسيحي عن الحرية إلى معنى اهنا والآن .. وهو يتطلب أيضأ معركة دامية أخرى يحرر فيها العبد نفسه من هيمنة السيد. وقد رأى هيجل في فلسفته نوعا من تحول العقيدة المسيحية بحيث لا تقوم على أساس الخرافة وسلطان الكتاب المقدس، بل على أساس وصول العبد إلى المعرفة المطلقة والوعي الذاتي.
لقد بدأ المسار التاريخي البشري بمعركة من أجل المنزلة الخالصة، سعى فيها السيد الأرستوقراطي إلى نيل الاعتراف باستعداده للمخاطرة بحياته. وقد بين السيد بتغلبه على طبيعته