الصفحة 370 من 376

إن القصد من وراء تأسيس ديموقراطية ليبرالية، هو أن يكون عملا سياسيا عقلانيا بالدرجة القصوى، يتداول بمقتضاه أفراد المجتمع حول طبيعة الدستور ومجموعة القوانين الأساسية التي ستحکم حياتهم العامة، غير أن كثيرا ما يدهش المرء إزاء عجز العقل و السياسة معا عن تحقيق أهدافهما، وفقدان البشر للسيطرة على حياتهم، لا على الصعيد الشخصي فحسب، بل على الصعيد السياسي أيضا. فالكثير من دول أمريكا اللاتينية مثلا تأسست كديموقراطيات ليبرالية، بعد فترة وجيزة من نيل استقلالها عن أسبانيا أو البرتغال في القرن التاسع عشر، ووضعت دساتير على غرار دستوري الولايات المتحدة والجمهورية الفرنسية. ومع ذلك فإنه ما من دولة منها نجحت في الحفاظ على استمرار النهج الديموقراطي فيها دون أنتهاك حتى الآن. ولم تكن المعارضة للديموقراطية الليبرالية في أمريكا اللاتينية على المستوى النظري قوية في أي وقت من الأوقات، عدا فترات قصيرة من التحدي من جانب الفاشية والشيوعية. ومع ذلك فإن الديموقراطيين الليبراليين كانوا دائما يجدون صعوبة كبرى في الوصول إلى السلطة والاحتفاظ بها. وثمة عند من الدول مثل روسيا عرفت أشكالا مختلفة من الحكم الاستبدادي ولم تعرف حتى عهد قريب الديموقراطية الحنة. وثمة دول أخرى مثل ألمانيا صادفت صعوبات رهيية في سبيل الوصول إلى ديموقراطية مستقرة بالرغم من أن لها جذورا عميقة في التقاليد الأوروبية الغربية، في حين نجد أن فرنسا. منبت الحرية والمساواة. قد شهدت منذ عام 1789 نشأة وسقوط خمس جمهوريات ديموقراطية مختلفة، وتتناقض هذه الحالات تناقضا صارخا مع خبرات معظم الديموقراطيات الأنجلوسكسونية التي وجدت من السهل نسبيا عنيها الحفاظ على استقرار مؤسساتها.

أما السبب في أن الديموقراطية الليبرالية لم تعم العالم بعد، ولا هي استقرت ورسخت بعد انتصارها، فهو قصور التجاوب بين الشعوب والدول. فالدول تشكيلات سياسية ذات هدف، أما الشعوب فجماعات معنوية سبقت الدول في الظهور. ومعنى ذلك أن الشعوب هي جماعات لها عقائد مشتركة خاصة بالخير والشر وطبيعة الإلهي والدنيوي، وهي عقائد غرست عن عمد في الماضي البعيد، وأضحت الآن إلى حد كبير مجرد تراث. أو كما يقول نيتشه: «كل شعب له لغته الخاصة عن الخير والشر .. قد اخترع لغته عن عاداته وحقوقه و، التي لا يعكسها الدستور والقوانين فحسب، بل تنعكس كذلك في العائلة، والدين، والبناء الطبقي، والعادات اليومية، وأساليب الحياة المحترمة، ميدان الدول إذن هو السياسية، ميدان الأختيار الواعي ذاتيا لنمط الحكم السليم، في حين نجد ميدان الشعوب هو فيما دون السياسة، إنه ميدان الثقافة والمجتمع الذي نادرا ما تكون قواعده جلية صريحة أو مستوعبة عن وعي ذاتي حتي من جانب المساهمين فيه. وحين نسمع توكفيل يتحدث عن نظام القيود والتوازنات في الدستور الأمريكي، أو عن توزيع المسؤوليات بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات، فإنما هو يتحدث عن الدول. أما حين وصف روحانية الأمريكيين التي تتسم أحيانا بالهوس والتعصب، أو عن غرامهم بالمساواة، أو عن تعلقهم بالعلوم العملية دون النظرية، فإنما هو يصفهم كشعب.

والدول تفرض نفسها على الشعوب من القمة. وهي أحيانا تشكل الشعوب، كقوانين ليكورجوس ورومولوس التي قيل إنها شكلت أخلاقيات شعبي اسبرطة وروما، وكمباديء الحرية والمساواة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت