الصفحة 372 من 376

التي شكلت الوعي الديموقراطي لدى الشعوب المهاجرة العديدة التي تتكون منها الولايات المتحدة الأمريكية. غير أن علاقة الدول بشعوبها في الكثير من الحالات هي علاقة متوترة، بل وقد يقال أحيانا إنها في حالة حرب مع شعوبها، كما في حالة الشيوعيين الروس والصينيين حين سعوا إلى هداية شعبيهما إلى المثل الماركسية. ولذا فإن نجاح الديموقراطية الليبرالية واستقرارها لا يتوقفان أبدا على مجرد التطبيق الآلي لمجموعة معينة من المبادئ العامة والقوانين، وإنما هما في حاجة إلى درجة من التوافق بين الشعوب والدول.

فإن نحن حذونا حذو نيتشه وعرفنا الشعب بأنه جماعة معنوية يشترك أفرادها في مفاهيمهم عن الخير والشر، وضح لنا أن الشعوب، والثقافات التي تخلقها، تنشأ أصلا عن الجانب الثيموسي من الروح، فالثقافة تنشأ عن القدرة على التقييم، كأن نقول مثلا إن الشخص الذي يطيع أبويه إنسان صالح، أو أن الشخص الذي يأكل من لحم حيوانات قذرة كالخنازير، إنسان طالح. فالثيموس أو الرغبة في نيل الاعتراف، هي مصدر ما يسميه علماء الاجتماع بالقيم. وقد رأينا أن السعي من أجل الاعتراف هو مصدر العلاقة بين السيد والعبد في مختلف مظاهرها، وكذا مصدر القواعد الأخلاقية النابعة عنها، كاحترام الرعية لملكها، والفلاح لمالك الأرض، وتعالي الأرستوقراطي، إلى آخره.

كذلك فإن الرغبة في نيل الاعتراف هي أيضا المصدر السيكولوجي لعاطفتين قويتين للغاية: الدين والوطنية، ولا أعني بقولي هذا أن الدين والوطنية لا يعدوان أن يكونا مجرد رغبة في نيل الاعتراف، وإنما أعني أن جذور هاتين العاطفتين مستمدة من الثيموس، وهو ما يضفي عليهما قوة كبيرة. فالمؤمن المتدين يضفي الوقار على كل ما تري ديانته أنه مقدس، كمجموعة من القواعد الأخلاقية، أو أسلوب الحياة، أو المعبودات. وهو يغضب كلما انتهكت قدسية ما يراه مقدسا (2) . أما الوطني فيؤمن بكرامة جماعته القومية أو العرقية، ويؤمن بالتالي بكرامته هو باعتباره عضوا في تلك الجماعة، ويسعى إلى نيل اعتراف الأخرين بهذه الكرامة، ويغضب. شأن المؤمن المتدين - إذا استخف الناس بها. وقد كانت العاطفة الثيموسية والرغبة في الاعتراف عند السيد الأرستوقراطي هما ما دفعا بالمسار التاريخى إلى الأمام. كما كانت العواطف الثيموسية المتمثلة في التعصب الديني والوطنية هي القوة التي دفعت بالمسار التاريخي في حروب وصراعات عبر القرون، وتفسر الجذور الثيموسية للدين والوطنية كيف أن الصراعات حول القيم يمكن أن تكون أشد قسوة من الصراعات حول الثروة والممتلكات المادية (3) . فالمال يمكن أن يقتسم، أما الكرامة فلا مجال للمساومة بصددها. فإما أنك تعترف بكرامتي أو كرامة ما أراه مقدسا، أو أنك لا تعترف بهما. والثيموس الساعى وراء و العدالة و هو وحده مصدر التعصب والبغضاء والأفكار المتسلطة.

وتمثل الديموقراطية الليبرالية بصورتها الأنجلوسكسونية ظهور نوع من الحسابات الباردة المتعمدة على حساب الأفاق الأخلاقية والثقافية السالفة. ذلك أنه لابد من انتصار الرغبة العقلانية على الرغبة في الاعتراف غير العقلانية، خاصية الميجالوثيميا لدى السادة المتغطرسين الساعين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت