الصفحة 374 من 376

إلى نيل الاعتراف بتفوقهم على من عداهم. وبذا تدخل الدولة الليبرالية القائمة على أساس أفكار هوبز ولوك في صراع طويل ضد أفراد شعبها، سعيا منها إلى تحقيق الانسجام بين ثقافاتهم التقليدية المتنوعة، وتعليمهم مراعاة مصالحهم الخاصة بعيدة الأمد، فبدلا من التمسك بتلك الجماعة الأخلاقية العضوية التي لها لغتها الخاصة بالخير والشر، على المرء أن يتعلم فيما ديموقراطية جديدة، كأن يصبح ا مشاركا،، وا عقلانيا، وا علمانيا، وا متحركا، وا متحمسا و وا متسامحا , (4) ، ولم تكن هذه القيم الديموقراطية الجديدة بالقيم على الإطلاق في البدء، فيما يتعلق بتعريف الفضيلة والرذيلة الإنسانيتين تعريفا قاطعا. وإنما ظهرت هذه القيم باعتبار أن لها وظائف عملية بحتة، وباعتبارها عادات لابد للمرء من أن يكتسبها إن هو شاء النجاح في العيش في مجتمع آمن يعمه الرخاء، ولهذا السبب وصف نيتشه الدولة بأنها أشد الوحوش اللا مبالية لا مبالاة، وأنها تدمر الشعوب وثقافاتها عن طريق التلويح أمامها بألف شهوة

غير أن كفاءة أداء الديموقراطية تتطلب ألا ينسى مواطنو الدول الديموقراطية الجذور العملية القيمهم، وأن يستشعروا فخرا ثيموسا لا عقلانيا بنظامهم السياسي و أسلوب حياتهم. أي أن عليهم أن يعشقوا الديموقراطية لا لأنها بالضرورة أفضل من بدائلها، وإنما لكونها ديموقراطينهم، و عليهم أيضا أن يكفوا عن اعتبار قيم مثل «التسامح و مجرد وسيلة إلى غاية. فالتسامح في المجتمعات الديموقراطية هو فضيلتها الأساسية (ه) ، وتنمية هذا النوع من الاعتزاز بالديموقراطية، أو تمثل القيم الديموقراطية في إحساس المواطن بذاته، هو ما نعنيه بحديثنا عن خلق ثقافة ديموقراطية أو

مدنية. فمثل هذه الثقافة هي أساس استقرار الديموقراطيات وسلامتها في المدى البعيد، حيث إنه اما من مجتمع بوسعه البقاء طويلا على أساس من الرغبة والحسابات الباردة وحدها.

وعلى هذا يمكن أن تكون الثقافة (في صورة مقاومة تحويل قيم تقليدية معينة إلى قيم ديموقراطية) عقبة في سبيل إقامة الديموقراطية. فما هي إذن تلك العناصر الثقافية التي تعرقل تأسيس الديموقراطيات الليبرالية المستقرة (1) ؟ يمكن تصنيف تلك العناصر على النحو التالي:

عناصر تتعلق بدرجة وطبيعة الوعي القومي والعرقي والجنسي في دولة من الدول. نلك إنه ليس ثمة تناقض جوهري أصيل بين الوطنية والليبرالية. بل إن الوطنية والليبرالية كانتا في واقع الأمر شديدني الارتباط في الصراعات من أجل الوحدة الوطنية في ألمانيا وإيطاليا في القرن التاسع عشر، وكانتا وراء سعي بولندا من أجل النهضة القومية في الثمانينيات من قرننا هذا، وهما الآن مرتبطتان ارتباطا وثيقا في المعارك التي تخوضها دول البلطيق من أجل الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي، ذلك أنه يمكن النظر إلى الرغبة في الاستقلال الوطني والسيادة باعتبارهما مظهرا للرغبة في الحرية وتقرير المصير، شرط ألا تصبح القومية أو الجنسية أو العرقية هي الأساس الوحيد للمواطنة والحقوق الشرعية، وبوسع ليتوانيا المستقلة أن تصبح دولة ليبرالية تماما شرط ضمانها الحقوق لكافة مواطنيها، بمن فيهم الأقلية الروسية التي تختار البقاء فيها.

غير أن الديموقراطية لا يمكن أن تنشأ في دولة تكون فيها النزعة الوطنية أو العرقية مبالغا فيها لدى أفراد الجماعات المكونة لهذه الدولة، بحيث يفتقرون إلى الإحساس بالأمة الواحدة وإلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت