قبول الاعتراف بحقوق الآخرين. فالإحساس القوي بالوحدة الوطنية ضروري لبزوغ فجر ديموقراطية مستقرة، وهو الإحساس الذي سبق ظهور الديموقراطية في بلدان مثل بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وألمانيا. والافتقار إلى مثل هذا الإحساس بالوحدة في الاتحاد السوفيتي كان أحد أسباب عدم إمكان قيام ديموقراطية مستقرة فيه قبل تقسيم الدولة إلى وحدات قومية أصغر (7) , كذلك نلاحظ أن 11 في المائة فقط من شعب بيرو هم من البيض الذين ينحدرون من صلب الغزاة الأسبان، وأن بقية المكان من الهنود المنفصلين جغرافيا واقتصاديا وروحيا عن سائر البلاد. وسيظل هذا الانفصال عقبة كأداء لمدة طويلة في سبل إقامة ديموقراطية مستقرة في بيرو، وينطبق هذا أيضا على جنوب إفريقيا حيث نجد فجوة رهيبة بين السود والبيض، بل ونجد السود أنفسهم منقسمين إلى جماعات عرقية لها تاريخ طويل من العداوة المتبادلة.
أما العقبة الثقافية الأخرى في سبيل الديموقراطية فهي الدين. وكما في حالة النزعة الوطنية، ليس ثمة صراع بالضرورة بين الدين وبين الديموقراطية الليبرالية، إلا حين يكون الدين ضد التسامح والمساواة، وقد ذكرنا أن هيجل كان يعتقد أن المسيحية مهدت الطريق لنشوب الثورة الفرنسية بفضل إرسائها لمبدأ المساواة بين جميع البشر على أساس قدرتهم على الاختيار الأخلاقي. وثمة تراث ديني مسيحي في الغالبية العظمى من الديموقراطيات الحديثة. وقد أشار صامويل هانتينجتون إلى أن معظم الديموقراطيات الجديدة منذ عام 1970 هي دول كاثوليكية (8) . فقد يبدو إذن أن الدين - من بعض الوجوه. ليس بعقبة في سبيل إقامة الديموقراطية، بل هو حافز عليها.
غير أن الدين في حد ذاته لم يخلق المجتمعات الحرة. فالمسيحية بمعنى من المعاني، كان الزاما أن تلغي نفسها عن طريق صبغ أهدافها بالصبغة العلمانية قبل ظهور الليبرالية. وقد كانت البروتستانتية هي العامل الذي أسهم، في رأي الناس، في إضفاء العلمانية على المسيحية في الغرب، وذلك حين جعلت الدين شأنا خاصا بين المسيحي وخالقه، فاستأصلت الحاجة إلى طبقة مستقلة من القسس، و إلى التدخل الديني في السياسة. وقد خضعت ديانات أخرى في مختلف أنحاء العالم لعمليات تحول علماني مماثلة، كالبونية والشينتورية، اللتين قصرنا نشاطهما على مجال عبادة خاصة تتركز حول العائلة. أما تراث الهندوسية والكنفوشيوسية، فهو مزيج من الاثنين: إذ بينما نجدهما مذهبين متساهلين نسبيا ويسمحان بنشاطات علمانية واسعة النطاق، فإن جوهر تعاليمهما طبقي هرمي ولا يعترف بالمساواة، وأما اليهودية الأورثوذوكسية والإسلام الأصولي فتراهما على العكس من ذلك. فهما ديانتان شموليتان تسعيان إلى تنظيم كل مظاهر الحياة البشرية، عامة كانت أو خاصة، بما في ذلك المجال السياسي. وقد تتفق هاتان الديانتان مع الديموقراطية. فالإسلام بالذات لا يقل عن المسيحية تمسكا بمبدأ المساواة بين الناس عامة. غير إنه من الصعب جدا أن نوفق بين هاتين الديانتين وبين الليبرالية والاعتراف بالحقوق العامة، خاصة حرية الضمير والدين. وقد لا يكون من دواعي الدهشة أن تكون تركيا هي الديموقراطية الليبرالية الوحيدة في العالم الإسلامي المعاصر، حيث إنها الدولة الوحيدة التي طرحت التراث الإسلامي جانبا في صراحة تامة، واختارت مع بدايات القرن العشرين إقامة مجتمع علماني).
أما القيد الثالث على ظهور ديموقراطية مستقرة فيتصل بوجود بنية اجتماعية تتمتع بدرجة عالية