ومع إدراكنا للاختلافات الحقيقية بين هذه الحالات، فإن ثمة قدرا هائلا من الاتساق بين حالات الانتقال إلى الديموقراطية في أوروبا الجنوبية وأمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا. فباستثناء سوموزا في نيكاراجوا، لم تكن هناك حالة واحدة أضطر فيها النظام القديم إلى التخلي عن السلطة نتيجة الثورة أو أعمال عنف خطيرة (21) . أما ما سمح بتغير النظام فهر قرار اختياري من جانب بعض أعضاء النظام القديم بالتنحي عن السلطة وإفساح الطريق لقيام حكومة منتخبة على أساس ديموقراطي، ومع أن هذا التنحى الاختياري عن السلطة كان ينجم دائما عن أزمة حالة معينة، إلا أنه أصبح ممكنا بسبب تنامي الاعتقاد بأن الديموقراطية هي المصدر الشرعي الوحيد للسلطة في العالم الحديث. فبعد أن حقق المستبدون اليمينيون في أمريكا اللاتينية وأوروبا الجنوبية أهدافهم المحدودة التي حددوها لانفسهم (كالقضاء على الإرهاب، أو إعادة النظام الاجتماعي اني نصابه، أو وضع حد للفوضى الاقتصادية .. الخ) ، وجد هؤلاء أنفسهم عاجزين عن تبرير استمرارهم في السلطة وفقدو الثقة في أنفسهم. ذلك أنه من الصعب قتل الناس باسم العرش أو الدين إن كان الملك نفسه لا يريد أن يكون أكثر من ملك يملك ولا يحكم في دولة ديموقراطية، أو إذا كانت الكنيسة هي في مقدمة المناضلين من أجل حقوق الإنسان، و من كل هذا نتبين خطأ الحكمة التقليدية الشائعة التي كانت تذهب إلى أنه ما من مخلوق يتنازل عن السلطة بمحض إرادته.
ومن البديهي أن الكثيرين من المستيدين القدامى لم يتحولوا إلى الإيمان بالديموقراطية بين ليلة وضحاها، وأنهم كثيرا ما كانوا ضحية لضعف كفاءتهم أو سوء تقديرهم. فلا الجنرال بينوشيه في شيلي، ولا جماعة ساندينيستا في نيكاراجوا توقعوا الخسارة في الانتخابات التي ارتضوا اجراءها، غير أن الواقع يشير مع ذلك إلى أنه حتى أصلب الديكتاتوريين وأكثرهم عنادا كانوا يرون ضرورة لإضفاء ولو فشرة من الشرعية الديموقراطية على أنفسهم عن طريق إجراء انتخابات، وقد حدث في كثير من الحالات أن كان تخلى عسكريين أقوياء عن السلطة يتضمن خطرا شخصيا عليهم بالنظر إلى أنهم سيفقدون بعد تنحيهم الحماية التي كانت متوافرة لهم ضد انتقام من اساءوا معاملته.
وربما لم يكن مستغربا أن نرى فكرة الديموقراطية تكتسح المستبدين اليمينيين من طريقها. فقوة معظم الأنظمة اليمينية القوية كانت في حقيقة الأمر محدودة نسبيا سواء في مجال الاقتصاد أو المجتمع ككل، وكان قادتها يمثلون قطاعات اجتماعية تقليدية تزداد بمرور الأيام هامشية في مجتمعاتها، كما أن الجنرالات و الكولونيلات الحاكمين كانوا في العادة يفتقرون إلى الأفكار والعقل النير .. ولكن، ماذا عن رجال الأنظمة الشمولية الشيوعية اليسارية؟ ألم يعيدوا تعريف عبارة , الدولة القوية؟ ألم يكتشفوا صيغة لسلطة تخلد نفسها أبدا؟