الصفحة 68 من 376

العسكرية الحاكمة بغزو جزر الفولكلاند (مالفيناس كافيا فيما بعد لكي تفقد سمعتها، إذ تبين أنها أثارت حربا لا ضرورة لها، وعجزت عن تحقيق النصر فيها(14)

وفي حالات أخرى أثبتت الحكومات العسكرية القوية عجزها عن التصدى للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي أسقطت الشرعية عن الأنظمة الديموقراطية السابقة عليها. وهكذا تنازل العسكريون في بيرو عام 1980 عن السلطة الحكومة مدنية بسبب التصاعد السريع في الأزمة الاقتصادية التي وجدت حكومة الجنرال فرانسيسكو موراليس بير موديز نفسها فيها غير قادرة على مجابهة ما تمخضت عنه الأزمة من سلسلة من الاضرابات والمشاكل الاجتماعية المعقدة (10) . أما العسكريون البرازيليون فقد شهد عهدهم فترة من النمو الاقتصادي الكبير من عام 1968 الى 1973. غير أن هؤلاء الحكام العسكريين في البرازيل وجدوا أنفسهم بعد ذلك في مجابهة أزمة النفط العالمية وتباطؤ في الانتاج، فاكتشفوا أنهم يفتقرون إلى أية موهبة خاصة في إدارة الاقتصاد. وعندما تنحى آخر رئيس جمهورية عسکري، وهو جواو فيجيريدو عن الحكم وحل مكانه رئيس مدني منتخب، تنفس الكثيرون من العسكريين الصعداء بل وأحسوا بالخجل مما ارتكبوه من أخطاء (16) .

وفي أوروجواي استولى العسكريون على السلطة في الأصل لشن حرب قذرة، ضد تمرد توبيماروس عامي 1973.1974. ومع ذلك فقد كانت أوروجواي تتمتع بتقاليد ديموقراطية قوية نسبيا ربما كانت كافية لإقناع العسكريين فيها بإجراء استفتاء عام سنة 1980، لاختبار مدى قبول الشعب لنظامهم، فإذا هم يخسرون في الاستفتاء ويضطرون عام 1983 إلى الاستسلام والتنحي عن الحكم (17) .

وفي جنوب إفريقيا رفض مهندسو نظام الفصل العنصري، من أمثال رئيس الوزراء الأسبق د. ف. فيرفورد الأساس الليبرالي من المساواة بين الناس عامة، وآمنوا بأن ثمة تمايزا ودرجات طبيعية بين أجناس البشرية (18) . وقد كان الفصل العنصري يمثل جهدا يسمح بالتنمية الصناعية في جنوب إفريقيا على أساس استغلال عمل السود، مع السعي في نفس الوقت إلى عكس اتجاه ومنع سكنى السود في المدن، وهو ما يعد نتيجة طبيعية مصاحبة لعملية التصنيع. ومثل هذا الجهد في سبيل الهندسة الاجتماعية كان جهدا ضخما وطموحا، لكن تبين فيما بعد أنه كان حماقة ضخمة فيما يتصل بهدفه النهائي: إذ أنه بحلول عام 1981 كان قد قبض على ثمانية عشر مليونا تقريبا من السود بمقتضى ما يسمى بقوانين التصاريح بتهمة الرغبة في الاقامة قرب أماكن عملهم. وقد أدت استحالة تحدى قوانين الاقتصاد الحديث في أواخر الثمانينيات إلى ثورة في فكر البيض في جنوب افريقيا دفعت ف. و. دى كليرك، حتى قبل توليه رئاسة الجمهورية بفترة طويلة إلى أن يؤكد أن الاقتصاد يتطلب الإقامة الدائمة لملايين السود في المدن، وليس من المفيد أن نخدع أنفسنا بهذا الصدد (19) . وهكذا كان أساس فقدان نظام الفصل العنصري لشرعيته عند البيض هو عدم فعاليته. وهو ما أدى إلى قبول غالبية البيض لنظام جديد من إشراك السود معهم في السلطة (20) .

دم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت