الاستبداد. فقد كان الجنرال فرانشيسكو فرانكو. من عدة وجوه. اخر ممثلى النزعة المحافظة التي عرفتها أوروبا في القرن التاسع عشر والتي كانت تستند إلى العرش والكنيسة، وهي ذات النزعة التي دحرتها الثورة الفرنسية. غير أن المشاعر الكاثوليكية في أسبانيا كانت آخذة في التحول بصورة مثيرة منذ الثلاثينيات، فالكنيسة بوجه عام كانت قد أخذت في التحرر بعد مجمع الفاتيكان الثاني في الستينيات، كما أن قطاعات كبيرة من الكاثوليك الأسبان تبنت مبادئ الأحزاب الديموقراطية المسيحية في أوروبا الغربية، وقد اكتشفت الكنيسة الاسبانية أنه ليس ثمة تعارض بالضرورة بين المسيحية والديموقراطية، بل وشرعت تلعب دورا متناميا كنصير لحقوق الانسان وناقد لديكتاتورية فرانكو (9) . وقد انعكس هذا الوعي الجديد في حركة Opus Dei للتكنوقراطيين الكاثوليك المدنيين الذين التحق الكثير منهم بالادارة بعد عام 1957، وكان لهم دور فعال فيما بعد في عملية تحرير الاقتصاد، ولذا فإنه عندما مات فرانكو في نوفمبر 1970، كانت قطاعات هامة من نظامه على استعداد لقبول شرعية سلسلة من: التحالفات، التي نجمت عن مفاوضات عديدة والتي أنهت بالوسائل السلمية كافة المنظمات المهمة في عهد فرانكو، وأضفت الشرعية على معارضة تضم في صفوفها الحزب الشيوعي الأسباني، وسمحت بإجراء انتخابات الجمعية تأسيسية نضع دستورا ديموقراطيا كاملا. وما كان هذا ليحدث دون أن تكون ثمة عناصر هامة من العهد البائد (خاصة الملك خوان کارلوس) قد آمنت بأن نظام فرانكو كان جسما غريبا في أوروبا الغربية التي باتت أسبانيا بالتدريج شبيهة بها في المجالات الاجتماعية والاقتصادية (10) ، وقد أقدم آخر مجلس نيابي انتخب في عهد فرانكو على خطوة مذهلة: فقد أقر بأغلبية ساحقة مشروع قانون في نوفمبر 1979 ينطوي في الواقع على انتحار المجلس بنصه على ضرورة انتخاب المجلس التالي بالوسائل الديموقراطية. وهكذا هيا الشعب الأسباني (أسوة بما فعل شعب البرتغال من قبل) أساسا للديموقراطية بتأييده للوسط الديموقراطي وذلك بأن أيد بقوة أول الأمر استفتاء ديسمبر 1979 الذي يدعو إلى اجراء انتخابات ديموقراطية، ثم اقترع في هدوء في يونيو 1977 لصالح حرب يمين الوسط بزعامة شواريز (11) .
وفيما يتعلق بعودة اليونان والأرجنتين إلى الديموقراطية في عامي 1974 و 1983 على التوالي لم يطرد العسكريون فيهما بالقوة من الحكم، وإنما أفسحوا الطريق أمام السلطة المدنية بسبب انقسامات داخلية في صفوفهم، وهي انقسامات تعكس تبدد الإيمان بحقهم في الحكم، وكان الفشل الخارجي هو السبب المباشر مثلما حدث في البرتغال. فالكولونيلات اليونانيون الذين استولوا على مقاليد الحكم عام 1997 لم يسعوا قط إلى اكتساب الشرعية على أساس غير ديموقراطي، ولكنهم اكتفوا بالقول إنهم يمهدون الطريق لعودة نظام سياسي اصحي مجند (12) . وبذلك أضحى النظام العسكري هدفا للنقد حين فقد ثقة الناس فيه بتعضيده لتطلع القبارصة اليونانيين إلى الاتحاد مع اليونان، وهو ما أدى إلى احتلال تركيا لقبرص وبزوغ احتمال نشوب حرب بين الدولتين (13) . أما في الأرجنتين فقد كان الهدف الرئيسي للطغمة العسكرية الحاكمة التي استولت على مقاليد السلطة من الرئيسية إيزابيلا بيرون سنة 1979، هو تطهير المجتمع الأرجنتيني من الإرهاب. وقد حققت هذا الغرض بعد حرب وحشية أفقدتها أهم مقومات وجودها. وكان قرار الطغمة