الصفحة 82 من 376

بل وقيل إنه وصل إلى الصفر (7) ، وهذا الانخفاض الشديد في نمو أجمالي الناتج القومي مضافا إليه الزيادات السنوية في الإنفاق على الدفاع خلال أوائل الثمانينيات بمعدل 2 إلى 3% يعني أن الاقتصاد المدني كان ينكمش في الواقع بمعدل كبير خلال العقد السابق لتولى جورباتشوف الحكم (1) . وقد كان بوسع أي أمريء أقام في فندق سوفيتي، أو أشتري حاجياته من متجر سوفيتي، أو تجول في أنحاء الريف حيث الفقر المدقع، أن يدرك طبيعة المشكلات الخطيرة للغاية التي تواجه الاقتصاد السوفيتي ولا تعكسها الاحصاءات الرسمية.

وعلى نفس الدرجة من الأهمية نجد الطريقة التي فسرت بها الأزمة الاقتصادية. ففي أواخر الثمانينيات حدثت ثورة فكرية كبيرة داخل المؤسسة الاقتصادية السوفييتية. فما مضت ثلاث أو أربع سنوات على تولي جورباتشوف الحكم حتى أستبعد الحرس القديم في أيام بريجنيف، وحل مكانهم اقتصاديون إصلاحيون مثل ابيل أجانبيجيان، ونيكولاي بيتراكوف، وستانيسلاف شاتالين، وأوليج بوجومولوف، وليونيد أبالكين، وجريجوري بافلينسكي، ونيكولاي شميليف. وقد فهم جميع هؤلاء (وإن كان ثمة قصور في فهم البعض) المبادئ الأساسية للنظرية الاقتصادية الليبرالية، واقتنعوا بأن النظام الإداري التحكمي السوفييتي المركزي هو السبب في التدهور الاقتصادي في الاتحاد السوفيتي (1) .

ومع ذلك فإنه من الخطأ تفسير المسار التالي للبيريسترويكا في ضوء المقتضيات الاقتصادية وحدها (10) ، وقد أشار جورباتشوف نفسه إلى أن الاتحاد السوفييتي لم يكن في عام 1985 قد بلغ

حالة الأزمة، وإنما حالة ما قبل الأزمة. وقد تمكنت دول أخرى من التغلب على صعوبات اقتصادية أخطر بكثير مما واجهه الاتحاد السوفييتي، فخلال سنوات الكساد العظيم مثلا انخفض إجمالي الناتج القومي الأمريكي بنحو الثلث، ولم ينجم عن هذا الهبوط مع ذلك إضرار بسمعة النظام الأمريكي عند الناس، وقد كان ثمة إدراك لجوانب الضعف الخطيرة في الاقتصاد السوفييتي لعدة سنوات خلت، وكانت ثمة مجموعة كاملة من الإصلاحات التقليدية يمكن اللجوء إليها في محاولة لوقف التدهور (1) .

لذلك فإن فهم أوجه الضعف الحقيقية في النظام السوفييتي يقتضي منا أن نضع المشكلة الاقتصادية في سياق أزمة أكبر، هي الأزمة في شرعية النظام ككل. فالفشل الاقتصادي كان مجرد نكسة واحدة من عدد من النكسات في النظام السوفييتي، زعزعت الإيمان بالنظام وفضحت الضعف في أساس بنائه. والواقع أن الفشل الرئيسي للشمولية هو فشلها في التحكم في فكر البشر. فقد أتضح أن المواطنين السوفييت احتفظوا طيلة الوقت بالقدرة على التفكير لأنفسهم، وأن الكثيرين منهم، بالرغم من سنوات طويلة من الدعايات الحكومية، أدركوا أن حكومتهم نكذب عليهم، وقد ظل الناس يشعرون بغضب عظيم بسبب المعاناة الشخصية والعذاب الذي قاموا ويلاته في ظل الستالينية، فكل عائلة تقريبا فقدت بعض أفرادها أو أصدقائها خلال عملية تحويل الملكية إلى ملكية جماعية، أو خلال سني الإرهاب الأكبر في الثلاثينيات، أو أثناء الحرب، التي زادت أخطاء ستالين في السياسة الخارجية، كثيرا من تكاليفها وضحاياها. كانوا يعرفون أن هؤلاء الضحايا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت