الصفحة 86 من 376

الجميع في حكمهم على النت السوفييت أنفسهم الذين

ظهرت من الشمولية،

رمزية أكثر منها حقيقية) سرعان ما نمت من تلقاء نفسها وأضحت تغييرات مستهدفة لذاتها. ذلك أن دعوة جورباتشوف الأصلية إلى الجلاسنوست والبيريسترويكا صادفت على الفور هوى في نفوس حشد هائل من المثقفين الذين لم يكونوا في حاجة إلى الاقتناع بعيوب النظام. ثم أتضح أنه ليس ثمة غير مجموعة واحدة من المعايير المنسقة لتقييم النظام العتيق على ضوئها فتبين للأعين فشله: هذه المعايير هي معايير الديموقراطية الليبرالية، أي إنتاجية اقتصاد السوق والحرية التي توفرها السياسات الديموقراطية (13) .

لقد ثبت خطأ الجميع في حكمهم على الشعب السوفييتي الذي أنله حكامه، واحتقرته الشعوب الأوروبية الأخرى، بل واحتقره المثقفون السوفييت أنفسهم الذين رأوه شريكا سلبيا للنظم الاستبدادية. فبعد عام 1989 بدأ المجتمع المدني يعيد بناء نفسه على أرض طهرت من الشمولية، وشكل عشرات الالاف من التجمعات الجديدة كالأحزاب السياسية ونقابات العمال والصحف والمجلات الجديدة ونوادي البيئة والجمعيات الأدبية والكنائس والجماعات الوطنية و غير ذلك. فليس صحيحا إذن ما قيل عن قبول الشعب السوفيتى لشرعية العقد الاجتماعي الاستبدادي القديم، حيث إن الغالبية العظمى اقترعت ضد ممثلي الجهاز الشيوعي القديم في كل مناسبة متاحة، ويدا النضج السياسي للشعب الروسي بالأخص حين اختار بوريس يلتسين أول رئيس للجمهورية ينتخب شعبيا، ولم يختر تجالا شبه فاشي على غرار ميلوسيفيتش في صربيا، أو ديموقراطيا فاتر الحماس مثل جورباتشوف، كذلك وضح هذا النضج السياسي حين أستجاب الشعب الروسي لدعوة يلتسين إلى الدفاع عن مؤسساته الديموقراطية الجديدة ضد انقلاب المحافظين في أغسطس 1991 , وبذا ثبت أن الروس کشعوب أوروبا الشرقية قبلهم غير خاملين أو مشتتين، وإنما هم على استعداد للدفاع تلقائيا عن كرامتهم وحقوقهم (14) .

وما كانت هذه الفجيعة على نطاق واسع في البنية العقيدية الأساسية للاتحاد السوفييتي لتحدث فجأة، وهو ما يوحي بأن الشمولية كنظام كان فشلها واضحا قبل الثمانينيات بفترة طويلة. والواقع آن بالإمكان تتبع بداية نهاية الشمولية منذ الفترة التالية على وفاة ستالين عام 1953، حين كف النظام عن اللجوء إلى الإرهاب دون تمييز (10) . فبعد ما يسمى بخطاب خروتشوف السرى عام 1959 وإغلاق معسكرات اعتقال أرخبيل ستالين، لم يعد بوسع النظام الاعتماد على أساليب القمع المطلق لفرض سياساته، وأضحى عليه اللجوء أكثر فأكثر إلى الملاطفة والانتخابات والرشوة الإقناع الناس بقبول أهدافه، ولقد كان التحول عن الإرهاب المطلق أمرا حتميا بشكل ما نظرا إلى أنه في ظل نظام ستالين لم يكن بمقدور أي من أفراد الزعامة أنفسهم أن يشعر بالأمان على نفسه: لا قادة جهاز الشرطة مثل بيجوف وبيريا اللذين أعدما، ولا وزير خارجيته مولوتوف الذي أرسلت زوجته منفية إلى الأرخبيل، ولا خليفته خروتشوف الذي عبر بصورة واضحة عن كيف أن نظرة غير مقصودة من ستالين كانت كافية لإثارة الخوف في نفس عضو المكتب السياسي على حياته. بل ولا ستالين نفسه الذي كان يعيش في خوف دائم من المؤامرات. وبذا أصبح محتما إزالة نظام الإرهاب هذا الذي كان يزعج ممارسيه أنفسهم، وذلك حين أتاح موت ستالين الفرصة أمام القيادة العليا لإزالته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت