الصفحة 88 من 376

وقد أدى قرار النظام السوفييتي بالاحجام عن قتل المواطنين دون تمييز الى تغيير في ميزان القوى بين الدولة والمجتمع لصالح المجتمع، وبات النظام منذ ذلك الحين عاجزا عن الإبقاء على تحكمه في كافة مظاهر الحياة السوفييتية، ولم يعد بالامكان كذلك سحق مطالب المستهلكين، أو السوق السوداء، أو الأجهزة السياسية المحلية ولا التمويه عليها والتلاعب بها، ورغم أن إرهاب الشرطة ظل سلاحا مهما في يد الدولة، إلا أنه كثيرا ما كان هذا الإرهاب في خلفية الصورة فحسب، غير مستخدم في الواقع، ونشأت الحاجة إلى الاستعانة في نفس الوقت بسياسات أخرى مثل الوعد بتوفير المزيد من السلع الاستهلاكية. ونلاحظ هنا أنه قبل تولي جورباتشوف الحكم كان خمس إجمالي الناتج القومي تتولاه أو تهريه السوق السوداء، دون أدنى رقابة من جانب المخططين المركزين.

وإنه لدليل على ضعف رقابة المركز ظهور عدد من جماعات، المافيا و في الجمهوريات السوفييتية غير الروسية خلال الستينيات والسبعينيات، مثل: مافيا القطن و سيئة السمعة التي ازدهرت في أوزبكستان تحت زعامة رشيدوف سكرتير أول الحزب الشيوعي الذي كانت تحميه علاقة شخصية بالرئيس السوفييتي ليونيد بريجنيف، وجالينا ابنة بريجنيف، وزوجها شوربانوف (وهو مسؤول كبير بالشرطة في موسكو) . وقد تمكن رشيدوف من ترأس امبراطورية بيروقراطية فاسدة لسنوات عديدة، ونجحت هذه العصبة من المسئولين في تزييف السجلات الخاصة بإنتاج القطن في أوزبكستان، وتحويل مبالغ طائلة من الموارد إلى حساباتهم الشخصية في البنوك، وتسبير شؤون التنظيم الحزبي المحلي دون أدنى رقابة من موسكو. كذلك انتشرت جماعات المافيا المتنوعة في مختلف أرجاء المجتمع السوفييتي خلال تلك الفترة، خاصة في الجمهوريات غير الروسية، غير أنها ظهرت أيضا في مدن مثل موسكو وليننجراد.

مثل هذا النظام لا يمكن وصفه بالشمولية، ولا هو حتى مجرد صورة أخرى من الاستبداد کديكتاتوريات أمريكا اللاتينية. وربما كان خير وصف للاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية في عهد بريجنيف هو وصف فاكلاف هافيل الذي أطلق على هذه الأنظمة اسم اما بعد الشمولية،، مشيرا بذلك إلى أنه في حين لم تعد تلك الأنظمة أنظمة بوليسية دموية كتلك التي عرفتها الثلاثينيات والأربعينيات، فإنها ظلت قائمة في ظل الممارسات الشمولية السابقة (16) . فالشمولية إذن لم تكن كافية لقتل فكرة الديموقراطية في تلك المجتمعات. غير أن تراثها أضعف من قدرتها على تبني الديموقراطية فيما بعد.

كذلك فشلت الشمولية في جمهورية الصين الشعبية ودول أوروبا الشرقية , لقد كانت سلطة الحكومة المركزية الصينية في المجال الاقتصادي (حتى في عنفوان فترة الستالينية للحزب الشيوعي الصيني) أقل درجة من سلطة الحكومة في الاتحاد السوفييتي، حيث إن ما يقرب من ربع النشاط الاقتصادي لم يكن في أي وقت من الأوقات في دائرة التخطيط القومي، وحين دشن دينج هسيار بنج البلاد في طريق الإصلاح الاقتصادي عام 1978، كان الكثيرون من الصينين لا يزالون يحملون ذكريات حية عن الأسواق ومنظمي المشروعات في الخمسينيات، فلم يكن من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت